يومياتي في الحظر: الحلقة (70)

إن الكاتب قد قارن في مقالته هذه رمضان هذا العام برمضان في الأعوام الماضية، وذكر فيها أمورا مبنية على الحقيقة، وكأنه عبر في مقالته هذه حزنه وألمه، وقد أظهر فيها ما في ضميره...

      كل واحد بدأ يحسب عدا تنازليا لشهر رمضان المبارك، فبقي ثلاثة عشر يوما، وفي اليوم التالي بقي اثنا عشر يوما، فلسان كل واحد ينطق هذا العدد بهذه الطريقة، ولم يتفكر في مضي أيام حياته، ولم يعد ولو مرة واحدة عدا تنازليا لنهاية حياته، ورمضان هذا العام إن مضى سوف يأتي رمضان آخر في العام القادم، ولكن من يضمن لحياته أنه يبقى حيا في رمضان القادم؟ طبعا، لا أحد يضمن لذلك، بل لا يضمن أنه يبقى حيا إلى نهاية شهر رمضان هذا العام أم لا؟

      ومما لا شك أن رمضان هذا العام مختلف من الأعوام الماضية، فمنذ أن وعيت لم أر رمضان مثل هذا، وذلك لأن الناس عادة في الأعوام الماضية في شهر رمضان يصومون، ويعملون نهارا، ويقومون بصلاة التراويح في المساجد، فَيُرَتَّلُ كلام رب العالمين في المساجد، وهي مليئة من المصلين، وفي النهار ولا سيما في صلاة الظهر المساجد مليئة من الصلين، وبعد الصلاة معظمهم يشتغلون بتلاوة القرآن الكريم، ثم إذا تعبوا يستلقون في المساجد، ويأخذون قسطا من الراحة، ثم بعد العصر قبيل المغرب تجد أولادا صغارا يحملون طعاما للصائمين إلى المساجد، فتجمع تلك الأطعمة، وتوضع المائدة، والصائمون يجلسون عليها منتظرين لأذان المغرب، فما إن يرفع المؤذن الأذان، ويقول: الله أكبر الله أكبر.. يفطر الصائمون جميعا، ثم يشاركون في صلاة المغرب...

      ولكن للأسف الشديد في هذا العام رمضان ترك ذكريات عند الكثيرين، وبسبب وباء عالمي أصبح الجميع محصورين في بيوتهم، ولا يخرجون للعمل بسبب حظر من قبل الحكومة، وخلت المساجد من كثرة المصلين، فعدد معين يصلي في المساجد، أما الآخرون فهم يؤدون صلواتهم الخمس في بيوتهم، وبعد الظهر المساجد فارغة، ولا يوجد أحد فيها يتلو القرآن الكريم، ولا يرى أولادنا الصغار الذين كانوا يشتاقون لرمضان، فيحملون طعاما إلى المساجد المختلفة للصائمين، وقد فقدت تلك المائدة التي كانت توضع في كل مسجد من المساجد، وكان يجلس عليها عادة المسافرون الصائمون، فلا مائدة هذا العام في المساجد، ولا الصائمين المسافرين فيها، وليس هذا فحسب، بل المساجد فارغة من كثرة المصلين ليلا في صلاة التراويح، فمعظمهم يؤدون صلاة التراويح في بيوتهم، أما الحفاظ فالبعض منهم يسمعون القرآن الكريم في التراويح في بيوتهم، والبعض الآخرون يسمونه في المساجد لكن لعدد معين من المصلين، فمثل هذا رمضان ما رأيناه في حياتنا...

      ونحن في أيام أخيرة من شهر رمضان، والأسواق فارغة من الناس، والحوانيت مغلقة، وكأن أحدا لا يرغب بشراء أي شيء، وكيف يرغب به، وهو مقيد في بيته، وهذا الوضع يوجد في كل مكان، حتى الحرمين الشريفين أيضا، فهما خاليان من كثرة المصلين، ومن كثرة المائدات، ومن كثرة المعتكفين، فهنالك عدد معين يحضرهما ويصلي الصلوات الخمس، ثم ينصرف...

      فما من سبيل إلا ونصبر، ونستغفر، وندعو الله ـ سبحانه وتعالى ـ أن يبعد عنا هذا الوباء العالمي، وأن يعيد حياتنا كما كانت، وأن ينهي هذا الوباء تماما، وأن يعيد إلينا بركات المساجد، وأن يجعلها عامرة من كثرة المصلين آمين يا رب العالمين...

أ. د. خليل أحمد صالح


مجموع المواد : 412
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020