يومياتي في الحظر: الحلقة (48)

هل سألت مثلما سألت أنا اليوم؟ ما أظن أنك سألت مثل هذا السؤال، والسؤال لم يكن مهما بالنسبة لي، ولكنه كان قيما بالنسبة للسائل، فسؤاله بريء مثل براءته، أما التفاصيل عنها فهي في قصة تبدأ من طالب وأستاذ...

سؤاله لم يكن قيما بالنسبة لي، وبالنسبة له كان قيما، ومهما، وفي البداية عند ما سمعت سؤاله ضحكت كثيرا، ثم فجأة أغلقت فمي خوفا من أنه ربما في المرة القادمة لا يجرؤ على سؤال، فطلبت منه إعادة سؤاله، فكرر نفس السؤال وبنفس الكلمات، وسؤاله لم يكن مبهما، وإنما كان واضحا، لكنه بالنسبة لذلك الطفل البريء كان مبهما، ولمثلي أنا فإنه كان واضحا، ورغم من أنه كان واضحا لي وجب علي أن أجيب سؤاله، حتى يطمئن... فأجبته ولكن قلت في نفس الوقت سؤاله بريء مثل براءة سائله...

      إنها قصة مختصرة، ولكنها شيقة، ومعجبة، وتبدأ هذه القصة من ولد صغير وأستاذ، فإن ذلك الولد كان يدرس عند أستاذه القرآن الكريم، ومرت الأيام، وقد أكمل ذلك الولد الصغير الذي لم يتجاوز عمره أكثر من سبع سنوات خمسة أجزاء من القرآن الكريم بالنظر، فكان كل يوم يذهب إلى أستاذه، ويسمعه درسا قديما، ويأخذ منه درسا جديدا، والأستاذ أيضا كان مشفقا عليه، فما كان يعطيه سوى آيتين أم ثلاث آيات، وكان يعلمه القرآن الكريم بتجويد، وكان قصده من آيتين أم ثلاث آيات إتقان القرآن الكريم، فإن أكثر درسه لربما يحفظ درسه، ولكنه لا يتقنه كما ينبغي إتقانه...

      وكالعادة اليوم لما جلس ذلك الولد الصغير أمام أستاذه، وبدأ يسمع درس أمس، وقد أتقنه تماما، وأسمعه دون أن يخطئ خطأ أم خطأين، ثم أستاذه شرع في تعليمه في درس جديد ثلاث آيات، وخلال تعليمه إياه جاءت بعض الكلمات، وقد أخبر ذلك الأستاذ طالبه الصغير عن معانيها، مثلا: فوم، وعدس وبصل، وأرض، وطعام، فلما علم ذلك الولد معاني هذه الكلمات، اندهش في البداية، ثم كرر معانيها بلسانه ناويا: أنه يسأل أمه، وجدته، وأخواته عن معاني تلك الكلمات، وعلامات السرور والبهجة كانت واضحة على وجهه، فإنه اليوم تعلم شيئا جديدا...

      ولكنه كان مشوشا في أمر، فسأله أستاذه: لما ذا أنت مشوش، وما ذا يزعجك؟ فقال له بنظرات حائرة: يا أستاذي، كيف علمت معاني هذه الكلمات؟ فقال له أستاذه: إن هذه الكلمات باللغة العربية، وأنا قد درست هذه اللغة، فلذا علمت معانيها، فهنا توقف ذلك الولد الصغر لحظة واحدة، وكأنه يريد توجيه سؤال مهم إلى أستاذه، وقد عرف أستاذه من نظراته أنه يريد أن يسأله شيئا آخر، فقال له: نعم، يا بني، هل تريد أن تسألني سؤالا آخر؟ فقال له: نعم، ثم بدأ بسؤال هل القرآن الكريم بأكمله باللغة العربية؟ فسؤاله هذا أضحك ذلك الأستاذ، ولكنه من ناحية أخرى حيره أيضا، فإن هذا السؤال بالنسبة لذلك الولد الصغير كان مهما، أما بالنسبة لذلك الأستاذ فكان مضحكا، الهم أجابه أستاذه: نعم، يا بني، القرآن الكريم كله باللغة العربية، فمن أتقن اللغة العربية ربما يفهم معاني كلمات قرآنية...

      لا تكن في حيرة، فإن ذلك الولد الصغير الذي لم يتجاوز عمره أكثر من سبع سنوات، هو ابن أختي، والأستاذ الذي قام بدور المعلم في هذه القصة هو أنا، فقد كتبت هذه القصة لتكون ذكرى للأيام القادمة...

أ. د. خليل أحمد صالح


مجموع المواد : 412
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020