يومياتي في الحظر: الحلقة (49)

بالفعل إن هذا الخبر قد أسقط الدموع من أعين المسلمين جميعا، فإن لم تعلم ذلك الخبر فتفضل إلى قراءة هذه المقالة فإنها تكشف الغبار عن ذلك الخبر، وتجعلك تعلمه تماما، ومن الممكن أنت أيضا لا تتمالك على سيلان دموع الفرحة من أعينك...

نشرة الأخبار من مكة المكرمة قد جلعت الدموع تسقط من أعين المسلمين جميعا، فإنها جاءت بالبشرى للعالم كله، ولا سيما للذين مسكنهم قريب من الحرم المكي ومن الحرم المدني، فمنذ أن جاء ذلك الفائروس "كورونا" أغلقت المساجد والمدارس، وأغلقت الدكاكين، وتم الحظر من قبل الحكومة، فالطرق فارغة، والميدان الذي أمام البيوت أصبح موقف السيارات، وقد علاها غبار، وكأن تلك السيارات لم تستخدم منذ مدة، وهذا الوضع أصبح وضعا مأساويا في كل بلد من البلاد، حتى بلاد الكفار أيضا، فإنها من رغم تقدمها في التكنولوجي، والاقتصاد لم تحتمي من هذا الوضع المأساوي...

      صارت حياة الإنسان مقيدة بين جدران البيت، ونفس الإنسان الذي كان يقول: ما عندي دقيقة واحدة ولا لحظة واحدة فارغة حتى أجتمع مع الأسرة، فإنه أصبح مجتمعا معها صباحا ومساء، فالأولاد الذين لم يجدوا فرصة للجمع مع الأب والأم طوال أعمارهم فإنهم قد وجدوا فرصة كافية ليجلسوا مع الأب والأم، ويناقشونهما في أمور مختلفة، ولست مبالغا فيما أقول: إن البيوت أصبحت مساجد لأداء الصلوات الخمس والتراويح، فإن النسوة اللاتي لم يرين في حياتهن أداء الصلوات مع الجماعة، فإنهن الآن صرن مشاركات في نفس الجماعة، فالأب يكون إماما، وأولاده من الذكور والإناث مع الزوجة كلهم يقتدون خلفه، وليس هذا الوضع فقط في بيت واحد، بل في كثير من بيوت المسلمين، فإنها تهتز بأصوات القرآن الكريم في ليالي رمضان عام ألف وأربع مائة وواحد وأربعين الموافق ألفين وعشرين، وسيكتب في صفحات التاريخ أنه جاء شهر رمضان في حياة الإنسانية، وكان كل بيت من بيوت المسلمين فيه يقدم منظر المسجد...

      ولكن من ناحية أخرى عند ما يرى المسلم في حياته أن صحن المطاف فارغ من الطائفين، والمعتمرين، والمصلين، والمسجد الحرام لايصلي فيه إلا عدد معين من رجال خاصة، فالأئمة يبكون في صلواتهم، ويحاولون تمالك دموع من السقوط، ولكن الأمر ليس في أيديهم، فإنهم لما يرون الكعبة وحولها والمسجد الحرام فلا يجدون زحمة من المعتمرين والمصلين والعابدين كما هو معتاد في كل رمضان، فيبكون، وهذا الوضع هو نفسه في الحرم المدني، فالمسجد النبوي أيضا يصلي فيه عدد معين من رجال خاصة، أما عامة الناس فلا يسمح لهم بالدخول فيه، والسبب هو منع تفشي الفائروس حفاظا على صحتهم...

      ولكن المفاجأة حدثت أمس عند ما أعلن رسميا من رحاب المسجد الحرام بأن الحظر سوف يرفع من التاريخ الأول من مايو 2020م، ويسمح للسكان أداء الصلوات الخمس والتراويح في المساجد، وتفتح المساجد أيضا، ويسمح لهم بقدومهم إلى المسجد الحرام وإلى المسجد النبوي، وسوف يعود ضيوف الرحمن إلى المسجد الحرام، ويمتلئ صحن المطاف من الطائفين، والعابدين والمصلين، فمثل هذا الخبر نشر عبر الإذاعات رسميا...

      فدون المبالغة لما سمعت هذا الخبر بدأت الدموع تسيل من عيني، وأنا بعيد من الحرمين الشريفين من حيث المسافة، ولكني قريب منهما قلبا، فما بال أولئك الذين قريبون من الحرمين الشريفين جسدا وقلبا، ويزورونهما من نوافذة بيوتهم، ولكنهم منعوا من الذهاب إليهما، فهؤلاء كيف لا يبكون اليوم، وليس البكاء لأجل الحزن، بل لأجل فرحة تعلو وجوههم ووجوه المسلمين في العالم كله، فأسأل الله ـ سبحانه وتعالى ـ أن يحفظ بلاد المسلمين، وخاصة الحرمين الشريفين، وزادهما شرفا...

أ. د. خليل أحمد صالح


مجموع المواد : 412
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020