يومياتي في الحظر: الحلقة (69)

إن الرسام قد رسم صورة تهدف أعظم هدف فيها، وفيها درس وعبر للجميع، فإن أخذ كل واحد منها تلك الفكرة التي أخذها.... فعلى يقين أن الجميع يهلك... وما هو الهدف من تلك الصورة، وما هي تلك الصورة، إن الكاتب في هذه المقالة قد كشف حقيقتها، وبين فيها هدفها الأساسي...

      إن الرسم فن مستقل، والذي يتعلم هذا الفن، ويتقنه، فهو رسام، فالرسام يرسم صورا متنوعة بمهاراته وبخبرته، وتكون تلك الصور هادفة وجالبة إلى أهداف معينة، وليس المقصود من صنع تلك الصور مجرد تصوير، بل هي تهدف إلى مقاصد عديدة، فالرسام أولا يتفكر في صورة يرسمها، ثم يقوم برسمها عمليا، وهذه الصور ليست قليلة تعد بالأصابع، بل هي كثيرة جدا، وقد رسمت لأهداف معينة ومقاصد خاصة، والذين تعلموا هذا الفن هم أيضا أصبحوا كثر، فلا تخلو قرية من القرى، ولا مدينة من المدن، ولا بلد من البلاد من فن الرسم، ورسامين...

      فالرسامون أحيان يرسمون على لوحات شلالات الماء تمر من بين الأشجار الطويلة الكثيفة، وتسقط على الأحجار المنخفضة الخضراء، ويكون ذلك المنظر مسكن القلب، وأحيانا يرسمون على لوحات أمواج البحر، وهي مرتفعة جدا، ولكن الشاطئ مليء من الزوار، وفيها كبار وصغار، فكل واحد يقترب من ماء البحر، ويغترف بيديه، ثم يرميه على مقابله، وأحدهم قد دخل الماء القليل، وسرواله مرتفعة قليلا حتى لا يبتل من الماء... وتارة توجد هنالك لوحات قد رسم عليها رسام محطة القطار، والمسافرون ينتظرون لقدوم القطار، ومن بين أولئك المسافرين كبير السن وصغير وكأن ذلك الصغير هو حفيد كبير السن، هما أيضا ينتظران بفارغ الصبر، والقطار قادم، ويرى من بعيد عن كشاف أمامي... فهذه الصور كلها تقصد أهدافا معينا، ومقاصد عديدة، ولقد تفكر رسام كل صورة قبل رسمها، ثم قام بعملية رسمها، ولكن الخبراء الذين لهم علاقة بهذه الرسوم هم يخبرون أهداف ومقاصد تلك الرسوم، أما نحن فمجرد متفرجين على تلك الرسوم...

      ولقد تلقيت اليوم صورة رسمها رسام، ولو قلت: ما أبرعها، وما أجملها، وقد أتقن ذلك الرسام فنه تماما، والصورة أيضا كانت جميلة، ولكنها تهدف هدفا معينا، وذلك الهدف كتب أحد الإخوة تحت تلك الصورة، وهي رسم سفينة كبيرة من خشب، وعليها العديد من الركاب، وأمواج البحر بدأت تتلاطم، وترتفع، فلما علم الركاب بأن أمواج البحر بدأ يشتد، فتفكر في ذاته، ونسي غيره من الإخوة الذين معه على متن تلك السفينة، وهذه الفكرة شاعت بين الجميع، حتى كل واحد كان يتفكر نفس الفكرة، وفي ذاته، فبدأ كل واحد يخلع لوحات خشبة من تلك السفينة الكبيرة، ويصنع منها قاربا صغيرا، والعمل كان مستمرا، وقد أكمل البعض منها قواربهم، والبعض الآخرون كانوا قريبين من إكمال قواربهم، وكل واحد يتمنى أن ينجح من تلك الأمواج، ويصل بعافية وسلامة إلى شاطئ البحر، فهل يصلون إلى شاطئ البحر أم لا؟ هذا الأمر لم يتضح من هذه الصورة، ولكن الأمر الذي اتضح من تلك الصورة والذي فيه درس وعبر لنا، هو لو كانوا يتفكرون بصورة جماعية لكانوا قد نجوا من تلك الأمواج وقد وصلوا إلى شاطئ البحر، ولكنهم لم يفعلوا بذلك، بل كل واحد تفكر في نجاة ذاته... وهذا التفكير يقتل الجميع، فلو كان هذا التفكير في أي مجتمع من الناس يدمره، ويسبب هلاكه، فلا بد من أن نصحح أفكارنا في أمورنا، وتكون أفكارنا الجماعية سوية إن أردنا سلامة البلد والأمة، وإلا سوف يحصل معنا كما حصل لأولئك الركابين على متن تلك السفينة...

أ. د. خليل أحمد صالح


مجموع المواد : 412
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020