يومياتي في الحظر: الحلقة (21)

الجوال، الجوال، الجوال، كل صغير وكبير ينطق بلسانه اسمه، ويحفظه وكأنه فرد من أفراد عائلته، ويحمله في جيبه كل وقت، ويخرج من جيبيه بل كل دقيقة، وكأنه قلبه، فدونه لا يبقى حيا، وليس هذا فقط، بل جعل كل واحد غلامه وعبيده، وجعله في خدمته أربعا وعشرين ساعة، وحتى لا يتركه ليشتغل في أموره، بل ألزمه في جميع الأوقات اشتغاله بأموره، ويقتل أوقات الآخرين دون شعورهم...

      اسمه قصير، ويحتوي على عدة حروف، أقصد أربعة، ولكن مخططاته كبيرة، وخطورته لا تخفى على أحد، فالصغير يمسكه ليلعب فيه ألعابا مسلية، ويكون مشغولا معظم أوقاته، حتى ينسى تناول غداء وعشاء، أما الشباب فهم يعتقدون أن هذه الآلة صنعت فقط لأجلهم، فيستبدلون جوالاتهم في مدة قصيرة، وكل طراز حديث من تلك الآلة يشترونه، ثم يلتقطون صورهم في أماكن شتى، ويجعلون فيه مصفى تتصفى فيه صورهم، فيرون صورهم أجمل صور في الدنيا، ويعجبون أنفسهم، وينسون حقيقة أمرهم، ثم ما يتقبى من الوقت يشغلون أنفسهم في استخدام شبكة، ويتواصلون زملائهم الذين ليسوا في الحقيقة زملاء، عن بعد عبر التواصل الاجتماعي، فينسون زملائهم القريبين، وينشئون علاقات جديدة مع زملاء جديدة عبر التواصل الاجتماعي، وإن ملوا من هذا فيميلون إلى استعمال ألعاب مسلية عن طريق الشبكة مع الآخرين، ويشترطون في تلك اللعبة، حتى إذا سئموا فأمامهم تسجيلات مرئية، فإنهم يشاهدونها إلى ساعة متأخرة، ولا يبالون بحصتهم، ولا بنومهم، ولا بمستقبلهم، وهذه كلها للشباب...

      أما الكبار، أقصد الذين تجاوزت أعمارهم أكثر من خمسين عاما، فكيف بإمكانهم أن يتخلفوا عن الشباب، فيشترون جوالات غالية الثمن، وطراز جديد بتقنية عالية، ويكون فيها برامج كثيرة، فإنهم لا يضعون جوالاتهم في منديل حتى لا تتسخ، ولا يصل إليها غبار، ولا يتركون أحدا يلمس شاشتها، فبعد كل لحظة يخرجون جوالاتهم، ويمسحونها بمنديل نظيف، ويجعلونها تلمع من بعد، وما يمكنهم وضعها في جيوبهم، لأن هذا الأمر ثقيل عليهم، وهم أيضا كالشباب في استخدامها، حيث يلتقطون صورهم، ويجعلونها في مصفى، ثم يضعونها على صفحاتهم الخاصة بهم على التواصل الاجتماعي، وينظرون إلى صورهم مرارا وتكرارا...

      ولايكتفون بها، بل عند ما يشاركون في حفلة فيضعونها على طاولة ملفوفة بمنديل، ثم بعد كل دقيقة يفتحونها ويشاهدون هل جاء الاتصال عندهم أم لا؟

      إنه بالفعل آلة دمار دمر الجميع، إلا اللهم يستخدمها فقط للعمل دون أن يذهب إلى برامجها الأخرى، فإنه رجل محظوظ، ولمثل هذا الرجل هذه الآلة هي نعمة...

أ. د. خليل أحمد صالح


مجموع المواد : 418
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020