يومياتي في الحظر: الحلقة (65)

إن هذه المقالة تتحدث عن أب مثالي وولد مثالي وتربية مثالية، فمثل هذه التربية لم يكن في زمننا نحن، وليس المعنى أن ذلك الأب أفلس رجال، بل هو أغنى رجال في العالم، ولكن تربيته لولده لم يقصر فيها، ولم يبال فيها ما ذا يقول الناس فيه، بل داوم، حتى نجح في نيل هدفه...

      إن الأب لا يترك ولده يتكاسل في أموره، حتى في الواجبات المدرسية، وكل عمل يقوم به الأب لأجل ولده لم يكن بعيدا عن مصلحة تفيد ولده في المستقبل، فالأمور كثيرة في حياتنا  تحدث من قبل الأب لأولاده، ونحن جميعا نعلمها، ولكن الأمر الذي شاهدته اليوم ورأيته لم يكن يتوقع أحد في حدوثه...

      إن الأب دائما يتفكر في مستقبل ولده، فيتابعه، ويدربه، ولكن التدريب الذي قام مع ولده اليوم هذا الأب فإنه قد ندر في مجتمعنا، وقد أصبح أمرا خيالا، وقد يشاهده الكثيرون في الأفلام، والمنام، ولكن الحقيقة بعيدة عنه، وجعل هذا التدريب ذلك الأب أبا مثاليا، نعم، إنه بالفعل يستحق أن يقال عنه: إنه أب مثالي...

      أما الولد فهو أصبح سجينا أمام تصرفاته، وبدأ ينزعج من تصرفاته، فأحيانا يبكي ويبكي بصوت مرتفع، ويعانق كل من يلتقيه في الطريق، ويسكن قلبه، ولكن الأب لا يتركه، فيتابعه حتى يكبر، ويفهم هذه الأمور، ثم يتركه تماما...

      وليس المعنى أن ذلك الولد يصبح كسولا بعد ترك أبيه له، بل تعود عليه، وقد عوده أبوه، فجهد أبيه معه سنوات لا يذهب سدى، بل لا بد من ثمرة يراها على ولده بسبب جهده، فيتابعه في حل واجباته، وينومه على الوقت المقرر، ويعلمه ما لا يعلمه، ومثل هذه الأمور تقريبا يقوم بها كل أب من الآباء مع أولاده، ولكن الأمر الغريب الذي يخص ذلك الأب المثالي لم يكن موجودا من بين هؤلاء الآباء...

      وهو أن مدرسة ولده لم تكن قريبة من بيته، والمسافة كانت طويلة بين البيت والمدرسة، وهي تقريبا أكثر من ثلاث أم أربع كلومتر، فمثل هذه المسافة يقطعها الآباء بسياراتهم الشخصية، فيحملون فيها أولادهم، ويوصلونهم إلى المدرسة، ثم عند الإجازة يحملونهم فيها ويعيدونهم إلى البيت، ولكن ذلك الأب المثالي يتصرف بتصرف مختلف من الآباء الآخرين، وكان ذلك التصرف لمصلحة ولده...

      ولما كان يخرج ذلك الولد لم يكن يركب على سيارة شخصية ولم يركب على حافة شعبية، وليس بمعنى أنه مفلس، وما عنده شيء، بل هو أغنى رجل في العالم، وعنده سيارات عديدة، ولكل سيارة سائق خاص، ولكن تربية ولده لم يحولها إلى الآخرين، فكان ولده يهرول على الطريق متجها إلى المدرسة، والأب أيضا مهرول خلفه، وليس هذا العمل مرة أو مرتين، بل كل يوم يقطع ذلك الولد مساقة بعيدة مشيا على الأقدام، والأب خلفه...

      والأمر الذي كان يحير كل مار هو أن الولد يهرول مع بكائه، وبما أنه كان صغيرا فكان يعانق كل من يراه في الطريق من الآباء والأمهات، كي يشفعوه إلى أبيه، ولكن طبعا، لا يمكن لأحد أن يتدخل في هذه القضية، فكان ينظر خلفه بأن الأب أيضا قريب، فيبدأ يهرول، حتى يصل إلى المدرسة، فيدخل الصف، ويرجع أبوه إلى البيت في سيارته الشخصية التي كانت يأتي بها سائق خلفه إلى المدرسة...

      ثم قبيل الإجازة مرة أخرى يأتي الأب في سيارته إلى المدرسة، ويرجع سائقه إلى البيت، وهو ينتظر لخروج ولده من الصف، فعند ما يراه أنه قادم يستعد تماما، فالولد أيضا يفهم بأنه يجب عليه العودة إلى البيت في شكل الهرولة، فيجري الولد والأب خلفه حتى يصلا إلى البيت، وهنالك الأم تنتظره، ولكن البكاء لم يفارق ذلك الولد عدة سنوات...

      والأب قد درب هذا التدريب مع ولده إلى الكلية والجامعة، فعند ما كبر وأصبح طالبا جامعيا، أيضا نفس الطريقة التي اختارها الأب له، ولكن هذه المرة لم يكن هنالك تفاوت في الجري والهرولة، بل كانا متساويين في الجري، ومشغولين في الحديث، وقد انتهى صوت بكاء كان ينبعث من ذلك الولد، ويكون مبتسما مع أبيه، فمثل هذا التدريب قلما نجده في زمننا نحن...

أ. د. خليل أحمد صالح


مجموع المواد : 412
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020