يومياتي في الحظر: الحلقة (12)

      "ليتني أصبح كاتبا بارعا باللغة العربية" عبارة متداولة على لسان كل واحد من طلبة العلم، ويكررها كل واحد منهم على لسانه، وينطقها من حين إلى حين آخر أمام زملائه، ولكنها تبقى مجرد عبارة، دون أن تفيده شيئا، وتقدمه في ما يتمناه، وذلك لأن هذه العبارة هي مكونة من كلمات وألفاظ، فإنها بنفسها تحتاج في وجودها إلى من ينطقها، فإن لم ينطقها ناطق، فلا وجود لها، فكيف بإمكانها تقديم عون لمن لم يتحرك بنفسه، ولا يكلف نفسه، ولا يتعب نفسه في سبيل نيل مرامه، فمثل هذا الطالب يرى في يقظته رؤيا، ويتجول في عالم الأفكار، حتى يعود منها صفر الأيدي...

      فلو يرجع هذا المتفكر والناطق بهذه العبارة، والذي ينوي لتقدمه فيما يتمناه إلى تاريخ الكتاب، فيلاحظ أنهم لم يتعلموا كتابة بمجرد نطق هذه العبارة، بل ربطوا هذه العبارة بعزائهم، وجهودهم المتواصلة، وعملهم المستمر، فما رأوا نهارا ولا ليلا، ولا ساعة ولا دقيقة، وما بالوا جوعا ولا عطشا، وما انتظروا مساعدة من أحد، وما بالوا مرضا ولا صحة، بل بذلوا جهودهم في كل وقت وفي كل حال من أحوالهم، حتى أنفقوا معظم حياتهم لنيل مرامهم، وجعلوا الكتب وسائدهم، والمكاتب سكنهم، وأفنوا حياتهم لنيل أهدافهم...

      فأخيرا قد حققوا أحلامهم، وطبقوا هذه العبارة على واقعهم، فأصبحوا كتابا ماهرين، بارعين، فصار القلم غلاما لهم، ورهن إشارتهم، حيث إذا أرادوا تحقيق كلمة واحدة فكانوا يحركون أقلامهم، فيسيل حبرها على صفحات تفوق أكثر من ثلاثة مائة، أربع مائة، ولكن تحقيقهم لا ينتهي، فمثل هذه المهارة لا تأتي إلى طالب ينطق هذه العبارة دون قيامه بما ينويه، ويعتقد أنه سينال هذه المهارة وهو جالس في بيته، ولا يحتاج إلى إتعاب نفسه، فلمثل هذا الطالب أمنيته هذه تبقى مجرد حلم لا يتحقق، ولن يتحقق...

      وبالفعل إن هو جاد فيما يتمناه، فعليه أن يتعب نفسه، وينفق طاقاته في سبيل حصول هدفه، ولا ينظر إلى ليل ولا نهار، ولا يبالي بجوع، وعطش، ولا ينظر إلى مرض ولا إلى صحة، بل يعزل نفسه تماما في مكان لحصول أهدافه، ولتحقيق أحلامه، ويحول هذه العبارة والحلم إلى حقيقة، وتعبير، ثم القلم يصير غلامه، ويكون في رهن إشارته، فما إن يأمره بتحريك أصابعه يبدأ كتابته، ويسيل حبره، ويحول بياض صفحات إلى سوادها، ويحقق آلاف كلمات في مؤلفات، ويملأ رفوف المكاتب بمؤلفاته، وأنا أيضا أتمنى أن أرى تحقيق حلمي، وأنا حي، فلذا لا ولن أتخلف عن الكتابة مهما يحدث، بل أتواصل إلى نهاية شوط حياتي، فربما أكتب شيئا تعود ثمراته إلي وأنا أكون في قبري تحت التراب، فأسال الله ـ سبحانه وتعالى ـ أن يوفقني لما يحب ويرضى.

أ. د. خليل أحمد صالح


مجموع المواد : 436
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2021

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2021