يومياتي في الحظر: الحلقة (32)

أول مرة شاهدت في حياتي منظرا مبكيا من رحاب الحرم المكي، ولقد شاهدت صلاة التراويح عبر البث المباشر، كان الإمام باكيا في بدء سورة الفاتحة، والبقرة، ولكنه كان يحاول أن يتماسك، وكان يمنع الدموع من التساقط على الأرض الطاهرة، والحرم المكي الذي عادة يكون مكتظا بالزائرين والمعتمرين ومن الضيوف، لا سيما في شهر رمضان، فالمطاف يمتلئ من الطائفين حول الكعبة، والمسجد الحرام مليء من المصلين تماما حتى سطحه، ولكن اليوم المشهد قد قدم منظرا مبكيا...

      وقد أعلنت المملكة العربية السعودية منع قدوم الزائرين والمصلين والضيوف إلى الحرمين الشريفين، وحتى سكان مكة المكرمة منعوا من القدوم إلى المسجد الحرام حفاظا على صحتهم من خطر الفائروس كورونا، والذي أسقط مئات وآلاف من الناس على الأرض، وجعلهم مرضى، فالبعض منهم ينتظرون لموتهم، والبعض منهم يعودون إلى بيوتهم سالمين ومعافين، فالحكومة السعودية قد قدمت كل الجهود لأجل سلامة شعبها، فأسأل الله ـ سبحانه وتعالى ـ أن يحفظ الجميع من هذا المرض الخطير...

      فنظرا إلى هذا القرار لم يخرج الناس إلى المسجد الحرام لأداء صلاة التراويح، فعلى حد علمي إنهم أدوا صلاة التراويح في بيوتهم، فالمسجد الحرام كان خاليا من المصلين، والمشهد الذي التقطته عدسة الكاميرا كان مبكيا، فرأيت قليلا من المصلين قائمين في المطاف، وما أظنهم إلا العمال ورجال الأمن، أما عامة الناس فلم يكونوا فيهم...

      كم مرة تمنيت أن عدسة الكاميرا تصور صلاتهم، ولكنها كانت محولة إلى المباني العالية، بعيدا منهم، فأحيانا تصور الكعبة المشرفة، وأحيانا بابها، وأحيانا سقف المسجد الحرام، وتارة تصور الفنادق القريبة من الحرم المكي، وأحيانا تسجل صورة المصاحف الموجودة على الرفوف، ولكنها حرمت المشاهدين من رؤية المشاركين في صلاة التراويح...

      وظننت أن قناة السنة النبوية ربما تلتقط صور المصلين من رحاب المسجد النبوي، فتحولت إلى قناة السنة النبوية، ولكنها لم تكن تختلف من البث المباشر من رحاب المسجد الحرام، فعدسة الكاميرا لا تقع على المصلين إلا في بعض الأحيان، لأنهم قلة، وكانت تدور عدسة الكاميرا على المسجد النبوي، وعلى سقفه، وكانت تنقل من خلال البث المباشر صورة روضة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وساحة المسجد النبوي، وتذكرت بأن ساحة المسجد النبوي كانت مليئة من المصلين في رمضان الماضي، ولكن اليوم كانت فارغة تماما، وما رأيت أحدا يمشي، ولا أحدا يتحرك...

      فأنا لم أر مثل هذا المشهد في حياتي، بل أول مرة شاهدته في حياتي، وهذه كلها بسبب عصياننا نحن جميعا، فأسأل الله ـ سبحانه وتعالى ـ أن يزيل هذه المصيبة وأن يكشف عنا هذه الكربة، وأن يبعدها عنا نهائيا، وأن يحفظنا جميعا...

 

أ. د. خليل أحمد صالح


مجموع المواد : 419
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020