مقال 2026/01/18 مشاهدة

حين يرحل خُدّام العربية… من يُبقي النار متّقدة؟ رحيل الشيخ أبي حذيفة مولانا حسين قاسم رحمه الله

لا تموت اللغات حين تُحاصَر، ولا حين تُقصى من المؤسسات، ولا حتى حين تُستبدل في المناهج؛
إنما تموت يوم يرحل خُدّامها الصادقون… أولئك الذين حملوها رسالةً لا وظيفة، وقدرًا لا مهنة.
برحيل الشيخ أبي حذيفة مولانا حسين قاسم رحمه الله، لا نفقد أستاذًا في العربية فحسب، بل نودّع نموذجًا نادرًا لإنسانٍ عاش اللغة وسكنته، وجعل منها جسرًا إلى الوحي، ومفتاحًا للهوية، وسلاحًا في وجه التذويب والنسيان.
كان من أولئك الذين لم يرفعوا شعار “خدمة العربية” في المؤتمرات، بل أنزلوه إلى الصفوف، وحملوه على ظهور السنين، وكتبوه في عقول آلاف الطلبة، ثم مضوا بصمتٍ لا يعرف الضجيج.
هكذا تُبنى النهضات… وهكذا تُحفظ الأمم.
في زمنٍ تتراجع الهِمم، يجيء أمثال مولانا حسين قاسم ليؤكدوا أن المشكلة ليست في اللغة، بل في أهلها؛ وأن العربية لا تحتاج إلى مدافع في الفضائيات بقدر ما تحتاج إلى مربّين في الفصول.
لم يكن رحمه الله خطيبًا سياسيًا، ولا صاحب منبر إعلامي، لكنه أدّى أخطر وظيفة في معركة الوعي: صناعة الإنسان العربي اللسان، الإسلامي الفهم، المتوازن الرؤية.
وما من عملٍ أعمق أثرًا، ولا أطول عمرًا من هذا.
ثم كانت خاتمته… في سفرٍ لخدمة العلم، وعلى طريق أداء الأمانة، وكأن القدر أراد أن يوقّع سيرته بتوقيع الكبار:
يموتون وهم يؤدّون واجبهم.
إن الأمم لا تُقاس بعدد جامعاتها، بل بعدد أمثال هؤلاء الذين يصنعون المعنى داخل تلك الجامعات.
وحين ننعى رجلًا كهذا، فإننا في الحقيقة ننعى تقصيرنا الجماعي في حماية رموز الصمت، وأبطال الظل.
رحم الله الشيخ حسين قاسم،
وأبقى في هذه الأمة من يحمل العربية كما تُحمل الجواهر:
بقلبٍ أمين، ويدٍ ثابتة، وبصيرةٍ لا تساوم.

التعليقات (0)

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!