لا تكتب لإعجاب الناس!

لا ينبغي للكاتب أن يجعل هَمّه نيل إعجاب الناس، بحيث يتوخى ما يعجبهم فيختاره موضوعا له، وكلما نال إعجابهم رضي وسُرّ وقوي، وكلما حرمه أو تلقى ضدّه حزن واهتمّ وضعف.

إن الكاتب صاحب رسالة وأمانة، وهو بمثابة الطبيب للمجتمع، يعالج المجتمع ويكافح الأمراض والأوبئة المستشرية فيه، فقد يصف الدواء المُرّ الذي لا يعجب ذوق المريض ومذاقه، فهل يمكنه النصح، والحسبة على المجتمع، وإقامة الأود، وإصلاح المعوجّ، وأداء الرسالة، وهو يتتبّع إعجاب الناس؟

هذا ليس استهانة بشأن القارئ فالعلاقة بين الكاتب والقارئ في موضعها وقد كتبتُ سابقا عنها وعن وضرورة المحافظة عليها، بيد أن العلاقة لا تقتضي منه أن يجعل كسب إعجاب القارئ همه الأكبر وهدفه الأسمى. أجل، لا مجال لإنكار ما يتركه مدحُ الناس وثناءُ القراء والمتلقين من أثر في نفس الكاتب، فهو يتشجع بتفاعلهم معه بحكم الطبع، لكن التزامه هذا والتنكّب عن الكتابة في موضوعات مخافة إثارة سخطهم أمر مرفوض.

يقول الأستاذ الكبير الشيخ علي الطنطاوي:

"إنّ كثيرين من الكتّاب يميلون إلى معرفة آراء الناس بكتاباتهم ويهتمّون بهذه الآراء جدا، حتى إنها لتشجّعهم إذا كانت حسنة وتُذهِب عزائمهم إذا كانت سيئة، وهؤلاء الكتّاب يخسرون كثيرا من مواهبهم، وينحطّون عن المنزلة التي وضعهم فيها اللهُ يوم جعلهم كتّابا واختارهم لتبليغ رسالة القرون الآتية، فلا تعتادوا هذه العادة ولا تبالوا بأذواق الناس إذا خالفتْ أذواقَكم، ولكن استمعوا إلى نقدهم إذا كان يستند إلى أساس علمي صحيح. أما إذا استند إلى الذوق وحده فلا.. ولو كان ذوق أستاذكم". (فكر ومباحث| ١٧٨)

الكتابة مغامرة، والكاتب قد يكسب الإعجاب والثناء وقد يصبح عُرضة للسخط والذم، لأنه كما يصف الحلو كذلك يصف المُر، ولو استطاع السخط أن يفلّ عزمه ويوهِن إرادته فكيف ينجح في الكتابة وكيف يصير كاتبا مؤثرا ؟
إن الكاتب بتبنّي هذه الرؤية يبدّد حريته التي هي من أهم ما يجب عليه صيانته، لكي يكون قادرا على القول بما يشاء، وكتابة ما يريد، فهو بالتزامه الاتيان بشيء يعجب الناس يعرّض هذه الحرية للضياع ويحشر نفسه في أضيق من الخاتم، فيضيق عليه إطار الموضوعات، إذ المعيار في اختيارها كسب إعجاب الناس! وهكذا يقتل حريته وموهبته معا.

وما أحسن ما سطّره يراع الأستاذ الكاتب الأديب السيّد المنفلوطي في مقدمة كتابه "النظرات"، وقد كان سُئل كيف يكتب، وكيف حاز التميّز والإبداع في الكتابة، فذكر أربعة عوامل منها:

"إني ما كنت أحمل نفسي على الكتابة حملاً، ولا أجلس إلى منضدتي مفكّراً: ماذا أكتب اليوم، وأيّ الموضوعات أعجب وأرغب وألذ وأشوق وأيها أعلق بالقلوب، بل كنتُ أرى فأفكّر فأكتب فأنشر ما أكتب، فأرضي الناس مرة وأسخطهم أخرى من حيث لا أعتمد سخطهم ولا أتطلّب رضاهم".

سيد مسعود
     إشراقة/ ٢٢ رمضان ١٤٤١

السيد مسعود

مدرّس في قسم معهد اللغة العربية بجامعة دار العلوم زاهدان- إيران
مجموع المواد : 48
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020