تكتب لتُعجِم أم لتُفهِم ؟!

يقول الجاحظ:

"ينبغي للكاتبِ أن يكون رقيقَ حواشي اللِّسان، عذْبَ ينابيعِ البيان، إذا حاور سدَّدَ سهْمَ الصواب إلى غرض المعنى، لا يكلِّم العامَّةَ بكلام الخاصَّة، ولا الخاصَّةَ بكلام العامَّة".
(نقله ياقوت في "معجم الأدباء" ٥|٢١٠٨)

إنّ بين الكاتب والقارئ صلةً وكيدة يجب على الكاتب أن يحفظها أثناء الكتابة لا يخرقها ولا يرتكب ما يعرّضها للخرق، لأن انقطاعها يسبّب في أن تذهب مساعيه المبذولة في سبيل إعداد المقال أدراج الرياح.

 الكتابة احترام متبادل بين الكاتب والقارئ، فمن حق القارئ على الكاتب أن يحترمه، وذلك برعاية مستواه، وتقديم ما يُمتعه وينفعه، في ألفاظ جميلة، وتعابير سليمة، وصياغة مونقة، والابتعاد عما يُبعده عن فهم الفكرة والمعنى، كما أنّ من حق الكاتب على القارئ أن يتلقّى المكتوب برغبة وعناية، مستحضرا ما عاناه الكاتب في إعداده.

  عندما يقرأ أحدُنا مقالا أو كتابا فيرى الكاتبَ قد حاول عرض ما لديه من اللغات والعبارات دون أن يهمّه مقتضى الحال، فلا توجد علاقة بين السابقة واللاحقة، قد ترك أختَ الكلمة ليجمع بينها وبين بنت خالتها أو بنت جارتها، وكل كلمة قلقة في موضعها، إما أهمل مستوى القارئ أو عرف مستواه ورغم ذلك كتب بهذا الأسلوب. إن كاتبا هذا شأنه ينبغي أن يوجّه إليه هذا السؤال: تكتب لتُعجِم أم لتُفهِم؟! 
ما أكثر الكتابات -خاصة في مواقع التواصل الاجتماعي- التي يبدو أنّ الكاتب قد نسي الصلة بينه وبين القارئ أوتناساها، حيث جاء بما خرقها بل قطّعها إربا إربا. والطريف أن الكاتب يفعل هذا ليُثبت بلاغَته لكنه لا يُثبت به إلا عِيَّه وعجزَه.

ليعرف الكاتب أنه يكتب ليُفهم لا ليُعجم أي يُبهم ويُعجِز القارئ عن فهم معانيه ! ومن الواجب أن يراعي كل كاتب هذا الأمر كأهمّ مبدأ في كتاباته من ألفها إلى يائها، بل يبحث عما يعزّز الصلة بينه وبين القارئ. وينبغي للكاتب المبتدئ أن لا يُغفِل التدرب على هذا، فليحاول أن يختار من الكلمات أوضحها وأجزلها وأليقها وأشرفها، يضع الكلمة في موضع يقتضيها، ولا يتركها قلقة، باذلا كل ما في استطاعته لأداء حق اللفظ والمعنى جميعا، متجنّبا الكلمات الغريبة التي تعقّد المعنى أو تفسده.

قد أسدى ابن عبْدِ ربِّه الأندلسي صاحبُ كتاب "العقد الفريد" نصيحةً رائعة وافية للكاتب في هذا المجال، واضعا النقاط على الحروف والأنامل على الخطوط، فأجاد إجادة لا مزيد عليها. وهي جديرة أن يطبّقها كل خائض غمار الكتابة ممن يريد أن ينجح مسعاه. يقول:

"فتخَيَّرْ من الألفاظ أرْجحَها لفظًا، وأجْزَلَها معنًى، وأشرفَها جوهرًا، وأكرَمَها حسَبًا، وأليَقَها في مكانِها، وأشكَلها في موضعها؛ فإن حاولْتَ صَنعةَ رسالة فَزِن اللَّفظة قبل أن تُخرجها بِميزانِ التَّصريف إذا عَرضتْ، وعايرِ الكلمةَ بِمعيارها إذا سنَحتْ، فإنه ربَّما مَرَّ بك موضعٌ يكون مَخرج الكلام إذا كتبتَ: "أنا فاعل" أحسنَ من أن تكتب: "أنا أفعل"، وموضع آخر يكون فيه: "استفعلت"، أحلى من: "فعلت"؛ فأَدِرِ الكلامَ على أماكنه، وقلِّبْه على جميعِ وُجوهه، فأيّ لَفظةٍ رأيتَها أخفَّ في المكان الذي ندبتَها إليه، وأنزعَ إلى الموضع الذي راودْتَها عليه، فأوْقِعْها فيه، ولا تجعل اللَّفظة قَلِقةً في موضعها، نافرةً عن مكانِها، فإنَّك متى فعلت هجَّنْتَ الموضعَ الذي حاولت تَحسينه، وأفسدتَ المكانَ الذي أردتَ إصلاحه؛ فإنَّ وضْعَ الألفاظ في غير أماكنها، وقَصْدَك بِها إلى غير مصابها، إنَّما هو كتَرْقيع الثوب الذي لَم تَتشابه رِقاعُه، ولَم تتقارب أجزاؤه، فخرج من حَدِّ الجدَّة، وتغيَّر حُسْنُه، كما قال الشاعر:
إِنَّ الْجَدِيدَ إِذَا مَا زِيدَ فِي خَلَقٍ
تَبَيَّنَ النَّاسُ أَنَّ الثَّوْبَ مَرْقُوعُ

وكذلك كلَّما احلَوْلَى الكلامُ وعَذُب، وراق وسَهُلت مخارِجُه، كان أسهلَ وُلوجًا في الأسماع، وأشدَّ اتِّصالاً بالقُلوب، وأخفَّ على الأفواه؛ لا سيَّما إذا كان المعنى البديعُ مُترجَمًا بلفظ مونقٍ شريف، ومُعايَرًا بكلامٍ عَذْب لم يسمْه التكليف بِمِيسَمِه، ولم يُفسده التَّعقيد باستغلاقه".
(العقد الفريد ج٤| ١٨٦)

سيد مسعود
إشراقة/ ٢ رمضان ١٤٤١

السيد مسعود

مدرّس في قسم معهد اللغة العربية بجامعة دار العلوم زاهدان- إيران
مجموع المواد : 48
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020