متى تُمسك القلم؟!

لكي يتمكّن الكاتب من كتابة مقال جميل مرضيّ وفي ذات الوقت يتمتّع بالكتابة لا بدّ له أن يتّخذ قبل إمساك القلم والبدء في عميلة الكتابة خطوات:
الخطوة الأولى: "جمع الأفكار"، عليه أن يجمع الأفكار التي يريد عرضها قبل إمساك القلم، فيستعرض هذه الأفكار في ذهنه مرّات، ويجتهد للإحاطة بها بشكل تام، ولا يتركها إلى أن يشعر بأن الفكرة قد أصبحت واضحة لديه.
في كثير من الأحوال يأخذ الكاتب القلم وهو بنفسه لا يعرف بالضبط ماذا يريد أن يكتب! يُمسك القلم ويحاول لاستجلاب فكرة يكتب عنها! ثم لا يعرف من أين ينبغي أن يبدأ وإلى أين ينتهي، فيخبط خبط عشواء.
 يتّخذ الكاتب هذه الخطوة (جمع الأفكار) قبل إمساك القلم، فيحدّد الموضوع ويستجلي الأفكار التي يريد عرضها سواء كانت من مشاهداته في الحياة أو من مطالعته في الكتب.
إن الكاتب بإمساك القلم قبل وضوح الفكرة التي يريد عرضها، يصعّب عليه عملية الكتابة، ويعرّض نفسه للتعب والإرهاق، فيكابد متاعب كثيرة،  ومرائر متواصلة، وذلك لأنه أخذ القلم قبل الأوان.
بعد الفراغ من جمع الأفكار واستحضارها يخطو الخطوة الثانية وهي: "الاصطفاء"، فيقيّم الأفكار ويستعرض علاقة الأفكار بعضها مع بعض، ثم يغربلها، آخذا الصفوة تاركا سواها.
أحيانا يُمسك الكاتب القلم قبل مرحلة الاصطفاء، أو قد يحاول للانتقاء بيد أنه لا يحلو له التنازل عن فكر من الأفكار، وهو حريص على نقل كل ما يدور بخاطره بشأن الموضوع إلى القرطاس، وهذا كثيرا ما يحدث مع المبتدئين، مما يسبب لصدور المكتوب بأفكار متهاوية وألفاظ ضعيفة، بالإضافة إلى الإطناب المملّ الذي يجعل القارئ يرغب عنه.
بعد هاتين الخطوتين، يأتي الأوان لإمساك القلم، فيمسكه ويبدأ بالكتابة، متّخذا الخطوة الثالثة وهي: "ترتيب الأفكار" على القرطاس أو الكمبيوتر أو الهاتف المحمول، والأفكار- بما تقدّم له من مراحل- حاضرة لديه بكل وضوح والصور ماثلة أمامه، ولم يبق إلا وضع كل فكرة في موضعها وكل صورة في مكانها الملائم، ليكتمل المقال، والترتيب كما نعرف يتعلق بالذوق والأسلوب، فكل كاتب يعمل على شاكلته وحسب أسلوبه في ترتيب الأفكار وصياغتها، كما أن نوع المقال كذلك مما يقتضي اختلاف الأساليب.
هكذا يسهّل الكاتب عليه عملية الكتابة ويخفّف عن المعاناة التي يواجهها أثناء الكتابة، ويوفّر كثيرا من جهوده وطاقاته. بخلاف ما إذا أمسك القلم وهو خاوي الوفاض ويريد أن يكتب شيئا، الأمر الذي يحشره في أضيق من الخاتم وحالة كأنما يريد أن يصعّد في السماء، وجرّبنا جميعا مدى تعسّر الكتابة بإمساك القلم قبل اتضاح الفكرة.
 لعلنا بهذا توصلنا إلى السرّ الكامن وراء متعة الكتابة كذلك، فالكتّاب البارعون يعشقون الكتابة ويجدون فيها راحتهم ولذة أرواحهم، لأنهم يخرجون من أذهانهم الفكرة التي تشكلت واكتملت عناصره. فلا يقرّ لأحدهم قرارٌ في هذه الساعة إلا باللجوء إلى الكتابة، لأنها الوسيلة الوحيدة للتعبير عن الفكرة والبوح بما يخالج الصدر، والبعض يواجه حالة تُشبه حالة مَرَضية بل جنونية نتيجة حينونة المخاض وولادة الفكرة، فلا يتخلص مما يلاقي ولا يرتاح إلا بالكتابة، وكأنه يناديه منادٍ أو يحدوه حادٍ قائلا: اكتب، اكتب، اكتب! وأنى تكون هذه الحالة لمن ليس لديه فكرة واضحة ؟! 

فليعرف أحدُنا متى يُمسك القلم، وما هي الخطوات قبل إمساكه، حتى يتمكّن من كتابة مقالة جميلة رائعة، في وقت قصير، وبجهد أقل، مصحوبا بالمتعة واللذة.

 سيد مسعود 
    إشراقة/ ٩ رمضان ١٤٤١

السيد مسعود

مدرّس في قسم معهد اللغة العربية بجامعة دار العلوم زاهدان- إيران
مجموع المواد : 48
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن

اكتب معنا


يمكننا نشر مقالك على شبكة المدارس الإسلامية، دعنا نجرب!

أرسل من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020