كيف تصبح أديبا مبدعا؟!

كان للأديب الكبير والكاتب البليغ الشهير مصطفى صادق الرافعي -رحمه الله- صديق يسمّى محمود أبا رية، يُراسل الرافعي مستشيرا إياه في مجال الأدب والكتابة، متطلّعا إلى أن يصبح أديباً مُبدعاً وكاتباً معروفاً، والرافعي يردّ عليه، مرشدا إياه إلى الطريق، وقد جُمعت لاحقاً هذه الرسائل في كتاب طُبع باسم "رسائل الرافعي". وهو كتاب رائع، قمينٌ أن يجد مكانا في سُلّم مطالعة الكتّاب والمتأدّبين.
  إن شهرة العلامة الرافعي تُغنينا عن تعريفه وذكر أوصافه، فهو أحد أشهر الأدباء والكتّاب المصريين (ت1356هـ) صاحب النثر الفائق والنظم الرائق، يُعرف بـ «فيلسوف القرآن وإمام البيان»، ولقّبه البعض بـ «نبيّ الكلمات»، قد عرفه العالم الإسلامي والعربي من خلال مؤلفاته الأدبية مثل "وحي القلم" وغيرها.

في ثنايا هذه الرسائل قدّم الأستاذ الرافعي توجيهات قيمة سديدة لأبي رية، وفي أول علاقته به وتبادل الرسائل بينهما، نصحه مقدّما إليه قائمة دسمة من أمّهات الكتب التي تكوّن الملكة الأدبية، ومما استفاد منه هو بنفسه في مسيرته الأدبية وأثّر في أدبه وأسلوبه الممتع. وإليكم ما يهمّنا من هذه الرسالة:

"إنك تريد امتلاك (ناصية الأدب) كما تقول، فينبغي أن تكون لك مواهبُ وراثيّة تؤدّيك إلى هذه الغاية وهي ما لا يُعرف إلا بعد أن تشتغل بالتحصيل زمناً، فإن ظهر عليك أثرُها وإلا كنتَ أديبا كسائر الأدباء الذين يستعيضون من الموهبة بقوة الكسب والاجتهاد. فإذا رغبتَ في أقرب الطرق إلى ذلك فاجتهد أن تكون مفكّراً منتقداً، وعليك بقراءة "كتب المعاني" قبل "كتب الألفاظ" وادرس ما تصل إليه يدُك من كتب الاجتماع والفلسفة الأدبية في لغة أوربّية أو فيما عُرِّب منها. واصرف همّك من كتب الأدب العربي بادئ ذي بدء إلى "كليلة ودمنة" و"الأغاني" و"رسائل الجاحظ" و"كتاب الحيوان" و"البيان والتبيين" له، وتفقّه في البلاغة بكتاب "المثل السائر" وهذا الكتاب وحده يكفل لك ملكةً حسنةً في الانتقاد الأدبي وقد كنتُ شديدَ الولوع به. ثمّ عليك بحفظِ الكثيرِ من ألفاظِ "نُجعةِ الرائدِ" لليازجي و"الألفاظِ الكتابيّة" للهمذانيّ، وبالمطالعة في كتابِ "يتيمةِ الدهر" للثعالبيّ، و"العقدِ الفريد" لابن عبد ربه، وكتابِ "زهرِ الآداب" الذي بهامشه. ولا تنس "شرح ديوان الحماسة" وكتاب "نهج البلاغة"، فاحفظ منهما كثيرا.
وأشيرُ عليكَ بمجلّتين تُعنى بقراءتهما كل العناية "المقتطف" و"البيان" ، وحسبكَ "الجريدةُ" من الصحفِ اليومية و"الصاعقة" من الأسبوعية. ثم حسبكَ ما أشرتُ عليكَ بهِ فإنّ فيهِ البلاغ كلّهُ، ورأسُ هذا الأمر ِ بل سرّ النجاح فيه أن تكون صبوراً. فإن دأبتَ في القراءةِ والبحثِ، وأهملتَ أمرَ الزمن -طالَ أو قصرَ- انتهى بك الزمنُ إلى يوم يكونُ تاريخاً لمجدك، وثواباً لجدّك.

(رسائل الرافعي| ٢٧-٢٦)

إنها قائمةٌ دقيقة شاملة، ووصفة ذهبيّة ناجعة، قدّمها أديب أريب، وناقد خبير، وهي الضالة المنشودة لكل كاتب وطالب للأدب العربي، والكتب المشار إليها متوافرة اليوم لدينا، فلو قصرت أيدينا عن النسخ الورقيّة لبعضها، فلم تقصر عن الإلكترونية في ظل التكنولوجيا الحديثة وشبكة الإنترنت.
 ممّا يلفت النظر في وصفته أنه نصح المسترشد بالإكثار من الحفظ في قوله: "ثمّ عليك بحفظِ الكثيرِ من ألفاظِ "نُجعةِ الرائدِ" لليازجي و"الألفاظِ الكتابيّة" للهمذانيّ، وكذلك قوله: "ولا تنس "شرح ديوان الحماسة" وكتاب "نهج البلاغة"، فاحفظ منهما كثيرا". فقد وصّاه بحفظ الأشعار من "ديوان الحماسة" والنثر من الكتب الثلاثة الأخرى، لما للحفظ من كبير تأثير في تحصيل الملكة الأدبية. 
كذلك نلحظ تأكيده على العناية بالأدب الحديث ولغة الصحافة، بجنب العناية بالأدب القديم، وذلك بالمطالعة في المجلات، والجرائد والصحف اليومية والأسبوعية.
 في الأخير يوصي المتأدب بالاصطبار؛ لأن الطريق شاقّ وطويل أمام من يريد أن يمتلك ناصية الأدب العربي، ويصبح كاتبا بارعا، وأديبا مبدعا، فقد مرّ بنا قوله: "ورأسُ هذا الأمر بل سرّ النجاح فيه أن تكون صبوراً".

إنّ على المتأدّب أن يوسّع في القراءة، ويجعل القراءة دأبه، حسبما صرّح به الرافعي: "فإن دأبتَ في القراءةِ والبحثِ، وأهملتَ أمرَ الزمن -طالَ أو قصرَ-..." وفي ذات الوقت عليه أن يتفنّن في القراءة ويقرأ في مختلف الفنون، فلن يصبح أديبا مُبدعا إلا إذا قرأ كلَّ ما تصل إليه يده، لأنّ القراءة الواسعة هي التي تُكسِبه ما يحتاج إليه من القريحة والفكر والابتكار، ونجد الرافعي يوصي أبا رية في رسالة أخرى:

"اقرأ كلّ ما تصل إليه يدُك فهي طريقة شيخنا الجاحظ، وليكن غرضُك من القراءة اكتسابَ قريحةٍ مستقلةٍ، وفكرٍ واسعٍ، وملكةٍ تقوى على الابتكار، فكل كتاب يرمي إلى هذه الثلاث فاقرأه.

(رسائل الرافعي| ٣٤)

 سيد مسعود 
إشراقة/ ٢٣ شعبان ١٤٤١

السيد مسعود

مدرّس في قسم معهد اللغة العربية بجامعة دار العلوم زاهدان- إيران
مجموع المواد : 48
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020