في مراجعة المقال قبل النشر

كتبَ جعفرُ بن يحيى إلى بعض عُمَّاله، وقد وقفَ على سهوٍ في كتابٍ وَرد منه:

"اتَّخِذْ كاتبًا متصفِّحًا لكُتبك؛ فإنَّ المؤلِّف للكتاب تُنازعه أمورٌ، وتعتَوِرُه صروفٌ، تشغل قلبَه، وتشعِّب فكرَه، من كلامٍ يُنسِّقه، وتأليفٍ ينظِّمه، ومعنًى يتعلَّق به يَشرحه، وحجَّةٍ يوضِّحها، والمُتصفِّح للكتاب أبْصَرُ بِمَواضع الخلل من مُبتدي تأليفه". (انظر: معجم الأدباء ج1|11)

من شروط الكتابة الناجحة وأهمّ مراحلها وأصعبها، مراجعةَ المقال والتدقيق فيه بعد التفرّغ من كتابته وقبل القيام بالنشر، تصحيحا للأخطاء المحتملة، واستعراضاً لعلاقة الكلمات بعضها مع البعض، وإعادةً للنظر في صياغة الجمل والتعابير.
  إن الكاتب المتعجّل في النشر قبل مراجعة مكتوبه يعرّض إنتاجه للضياع بيديه، لأن العمل لا قيمة له إذا ما خلا من الجودة، وقد قيل إن عليّا -رضي الله عنه- قال: "لا تطلبْ سرعةَ العمل واطلب تجويدَه؛ فإنّ الناس لا يسألون في كم فرغ من العمل، وإنما يسألون عن جودة صنعه".
فالكتابة السطحية العابرة التي لا يليها تدقيق وفحص وتهذيب هي لا تنجح، لخلوّها من التجويد والإتقان، وهي غير قادرة على اجتذاب المتلقّي وطبعا لا تصادف استقبالا.

نرى الكتّاب الكبار لهم حساسيّة كبيرة في هذا الموضوع، فمعاناتهم في مرحلة المراجعة أكثر وأكبر ممّا يعانونه أثناء الكتابة، ومشهور أنّ الفارابي بقي يراجع ويصحّح كتابه "آراء أهل المدينة الفاضلة" أكثر من سبع سنوات! والأستاذ محمود شاكر قد مزّق كتابه "المتنبّي" بعد إتمامه، تمزيقا! والقصص في هذا المجال وراء الإحصاء.
 ولا أدلّ على هذه الحساسية من أخذهم ورّاقين ومصحّحين لما يكتبون، فهذا الجاحظ له ورّاق وهو أبو زكريا، وآخر وهو عبد الوهاب بن عيسى، الأول ذكره صاحب "الأمالي" والثاني ذكره ياقوت. والأستاذ محمود شاكر كان يعطي مقالاته ومؤلفاته إلى الأستاذ الكاتب عبد الحميد البسيوني للتصحيح. والذكر على سبيل المثال لا الحصر.
 قد بدا لنا أنّ الكتّاب المبدعين مع جلالتهم كان لهم تردد وتوجس من الطبع والنشر، مما جعلهم يسلّمون مكتوباتهم إلى مصححين جهابذة ورصفاء أفذاذ، ويبيّن الجاحظ لنا الفلسفة في هذا قائلا:

"عقلُ المُنشئ مشغولٌ، وعقلُ المتصفّح فارغٌ".

كما مرّ بنا في بداية المقال:

"المتصفّحُ للكتاب أبصرُ بمواقع الخللِ من مبتدئ تأليفه".

وعليه فالكاتب لا بد له أن يقدّم مؤلَّفه ومكتوبه إلى من يثق بدقته ومهارته للتصحيح قبل أن يبادر بطبعه ونشره، لأن الكاتب -كما تقدم آنفا- لا ينتبه للخطأ مثلما ينتبه غيرُه، ولأن الكاتب عندما يراجع لا يدقق في الكلمات كثيرا بل يقرأ من حفظه فيمر بالأخطاء دون أن يشعر، وأما المصحّح فهو يقرأ المكتوب ويركّز على ما هو موجود أمامه. وهذا عمل جرّبناه جميعا. كما أثبتته الدراسات الحديثة في علم النفس أيضا.

غنيّ عن القول أن الكتّاب الناشئين والمبتدئين الذين يقومون بالنشر في مواقع التواصل الاجتماعي، هم أشد حاجة في هذا المجال، كما أنّ جميع الكتّاب والمدوّنين في المجلات والصحف أو على صفحاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي مطالَبون بمراجعة مقالاتهم قبل النشر، وناهيك عن الكتب، بل ينبغي أن يقدّموها إلى مصحّحين، حتى تأتي متقنة مجوّدة ممتعة. ولنعرف بأنّ المكتوب إذا نقصته الجودة والجمال والإمتاع، فهو لا يستحقّ القراءة والاهتمام.

ولقائل أن يقول: صحيحٌ ما قلتَ في هؤلاء الكتّاب والأدباء الكبار واتّخاذهم ورّاقين ومصححين، غير أنهم كانوا يقدّمون إليهم كتبهم للنظر فيها قبل الطبع، وأما كتاباتنا فهي مقالات وليست كتبا، وبخاصة في مواقع التواصل، فلا تقتضي المراجعة والتصحيح والتدقيق، فأقول: كتاباتُنا لو لم تقتضِ المراجعة والإخراج الفني من حيث الرصف والصياغة والمعنى، فهي تقتضي المراجعة لتصحيح الأخطاء الصرفية والنحوية والإملائية واللغوية! فما أكثر الأخطاء في كتاباتنا من هذا القبيل. إذاً فإننا أشد حاجةً؛ لأنّ أخطاءنا مما لا يجوز التسامح فيه.

سيد مسعود
إشراقة / ٤ رمضان ١٤٤١

السيد مسعود

مدرّس في قسم معهد اللغة العربية بجامعة دار العلوم زاهدان- إيران
مجموع المواد : 48
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020