العلاقة بين الأفكار والكلمات

ليس ألذّ للكاتب من أن يجد الكلمة المناسبة تماما للمعنى الذي يقصده، وإنه عندما يعدل عن الكلمة المناسبة إلى الكلمة القريبة، يفقد السيطرة على المعنى، وقد تحرّفه الكلمةُ عن المعنى المطلوب الذي هو بصدد أدائه.
إنّ العلاقة بين المعاني والمباني وبعبارة بين الأفكار والكلمات وطيدةٌ متشابكة جدا، إذ اللفظ هو الوعاء الذي توضع فيه المعاني، وإنه مهما كانت الفكرة عميقة رائعة لا يتلقاها القارئ والمتلقي عندما ضعفت لغة الكاتب وبرُد تعبيره.

التعبير عن الأفكار الرائعة مفتقر إلى المفردات والتعابير الجميلة، فالمعنى الشريف لا يؤدَّى باللفظ الخسيس، كما أن المعنى الخسيس لا ينبغي التعبير عنه باللفظة الشريفة، فإنّ لكل مقام مقالا، ولكل معنى حقا، والكاتب مطالَبٌ برعاية هذه الحقوق.
الكثير منا يكتب وهو يريد إيصال فكرة رائعة إلى القراء لكنه يفشل دون مرامه، نتيجة عجزه عن تقديم الفكرة في حُللها الجميلة التي تليق بها، يضع اللفظة في موضع غيرها ممّا لا يعرفه أصلا أو ليس حاضرا عنده الساعة.
لا يوفّق الكاتب لإعطاء المعنى حقّه إلا باختيار اللفظة الملائمة له، ولا يقدر على اختيار اللفظة الملائمة إلا إذا تمتّع بثروة من المفردات والتعابير، والأمثال والحكم، والأشباه والنظائر، ولا يحصل له هذا إلا بالقراءة المستمرّة والموسّعة.

إن الذي لا يهتمّ بالمطالعة وبالتالي لا يحظى برصيد وفير من المفردات والتعابير وما يحتاج إليه أثناء الكتابة فهو بالطبع لا يقدر على التعبير عن الفكرة أو المعنى باللفظة المناسبة، ولا يوفّق لتأدية حق المعنى والمبنى، يريد التعبير عن معنىً مّا، غير أنه تعوزه الكلمة المناسبة، فيُضطرّ إلى وضع كلمة لهذا المعنى هي قاصرة عن تأديته، فتقتل اللفظةُ الضعيفة الفكرةَ الرائعةَ.

ليست المشكلة دائما في قصور اللفظة عن الدلالة على المعنى، بل كثيرا ما يحدث أن الكاتب تعوزه الفكرة، فيعطي الفكرة الضعيفة البسيطة لفظةً فخمة فضفاضة، سعيا منه للتغطية على ضعف الفكرة بتكديس العبارات المزخرفة المزوَّقة، فتخرج كتاباتُه نتيجة هذا العجز معقّدة متكلّفة، كما يقول مارون عبود في كتابه "جدد وقدماء":

"إن من أعوزتْه الفكرةُ لجأ للتفاصح وتكلّف العبارات والهذر، ومن أغناه التفكير، تخلّص من تزويق التعبير".

وقد صادفتُ نصيحةً رائعة للكاتب رسول حمزاتوف في روايته "بلدي" وهي تهمّنا فيما نحن فيه:

"الأفكار الرائعة تحتاج إلى طريقة جميلة للكتابة، ومن لم يستعدّ للكتابة بلُغةٍ غنيّةٍ، وتصرّفٍ جميلٍ، يعزّ عليه أن يبلّغ جواهر الأفكار... اللغةُ الضعيفة بالنسبة للفكرة كالذئب للحمل، واللغة الضعيفةُ تقتل الفكرةَ الجميلة... بالطبع، أقوى العربات تهتزّ كثيرا في الطريق السيئة وقد تسقط في الهاوية، وصهوةُ الحصان لا يُزيّنها سرجُ حمار، والحمارُ لا يناسبه سَرْجُ جوادٍ جموح". (بلدي|٥٣ بتصرف)

فيا أخي الكاتب، لا تسمحْ لذئب اللغة أن يأكل حَمْلَ أفكارك، ولا تسرّج الحمار بسَرْج الحصان، لا تُلبِس الجواد بردعةَ الحمار. وإن معايشة الكتب والقراءة الموسّعة والمُثمرة هي ممّا يجعلك بنجوة من هذه المهاوي والعثرات، فاستعن بها على إنضاج فكرتك وتعزيز لُغتك، ثم حاول اختيار الكلمات للتعبير عن أفكارك بعناية فائقة.

السيد مسعود

مدرّس في قسم معهد اللغة العربية بجامعة دار العلوم زاهدان- إيران
مجموع المواد : 48
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020