كيف أكتب ؟!

كيف أكتب لتخرج كتاباتي قوية مؤثرة، تشقّ طريقها إلى النفوس والقلوب، وتترك فيها أثرها البالغ؟ ما هي الشروط أو العوامل؟

ما من كاتب إلا وهو حريص للنجاح في مسيرته الكتابية والأدبية، ويودّ أن يكون لكتاباته أثر في نفوس القرّاء، وفي هذا السياق يتساءل أو يسأل: كيف أكتب لتخرج كتاباتي قوية مؤثرة، تشقّ طريقها إلى النفوس والقلوب، وتترك فيها أثرها البالغ؟ ما هي الشروط أو العوامل؟

سؤال مهمّ ومصيري للغاية، ولست بصدد الإجابة عنه أنا بنفسي، لأن مَثَل من يسترشد بمثلي في هذا المجال مثلُ مَن يبحث في القتادة عن ثمر النخل! ولا ينبغي أن يجيب عنه إلا خبيرٌ ممّن أجمع القوم على اختصاصه وخبرته، فهيّا بنا نتلمذ على أديب أريب، وكاتب ناجح مبدع، من الأدباء المتفرّدين الذين كان لطريقتهم الإنشائية أثرٌ في الجيل الحاضر، صاحب أسلوب أدبي فذّ، تخرّج في مدرسته الأدبية عشرات الكتّاب والأدباء المبدعين. كان أسلوبه في عصره كأسلوب ابن خلدون في عصره، يُعرف بأديب الدموع! حيزت له القريحة والعبقرية، تتميّز كتاباته بإشراق الديباجة، وقوة النسج، والعفوية، والسلاسة، وصدق العاطفة، وقلمه جمع بين القوة والجمال، مما سبب في إقبال المتأدّبين على كتبه والتأثر بها حد الإعجاب الذي لا ينقطع. وهو الأستاذ الكاتب والأديب المصري السيد مصطفى لطفي المنفلوطي (ت1342هـ).

ولا بأس بإدخال اسمه في متصفّح الإنترنت لنجد ماذا تفيدنا ويكيبيديا:

"مصطفى لطفي بن محمد لطفي بن حسن لطفي، أديب وشاعر مصري نابغ في الإنشاء والأدب، انفرد بأسلوب نقي في مقالاته، له شعر جيّد فيه رقة، قام بالكثير من الترجمة والاقتباس من بعض روايات الأدب الفرنسي الشهيرة بأسلوب أدبي فذّ، وصياغةعربية في غاية الروعة، كتاباه "النظرات" و"العبرات" يُعتبران من أبلغ ما كُتب في العصر الحديث".

كتبه المتميّزة أصبحت نُجعة لرواد الأدب وهي: "النظرات"، و"العبرات"، و"الفضيلة"، و"في سبيل التاج"، و"ماجدولين" أو"تحت ظلال الزيزفون" (وهي قصص رومانسية عرّبها من أصل فرنسي).

لا يوجد متأدّب عربي وهو لا يعرفه بل ربما ليس هناك متأدب لم يبك معه! فكتبه هي النبع الفيّاض، والمنهل العذب، والمورد الصافي لكل متأدب! تلك التي تتقد أسىً وألماً على المساكين، وتلتهب حزنا وشجوا للمحبين.

وصفه الأستاذ أحمد حسن زيات في كتابه "تاريخ الأدب العربي" فقال:

"إنه كان مؤتلف الخلق، متلائم الذوق، متناسق الفكر، متّسق الأسلوب".

وكان الأستاذ عباس محمود العقاد يوصي الطلبة بقراءة كتبه والكتابة على منواله لتعلم الإنشاء.

إذاً قد اتفقنا على جلالته ومن ثمّ على أنه أهلٌ للإجابة عن سؤالنا، "كيف أكتب؟!" وقد أجاب عنه في كتابه "النظرات" (صفحة ٤٤ فما بعدها) عندما سُئل عنه، وكما أن كلامه يُطلعنا على سرّ التأثير في كتاباته، في ذات الوقت يضع أمام كل كاتب نبراسا مُضيئا يستضيء به، ومنهجا واضحا يسير فيه للوصول إلى هذه الغاية، وإليكم الإجابة:

"ولقد كان أكبر ما أعانني على أمري في كتابة تلك الكلمات أشياء أربعة، سأذكرها لعل المتأدب يجد في شيء منها ما ينتفع به في أدبه:

أولها:

أني كنت أحدث الناس بقلمي كما أحدّثهم بلساني، فإذا جلستُ إلى منضدتي، خيّل إلي؟ أن بين يديّ رجل من عامة الناس مقبلاً عليَّ بوجهه، وإن من ألذّ الأشياء وأشهاها إلى نفسي أن لا أترك صغيراً ولا كبيراً مما يجول بخاطري حتى أفضي به إليه.

ثانيها:

أني ما كنت أحمل نفسي على الكتابة حملاً، ولا أجلس إلى منضدتي مفكّراً: ماذا أكتب اليوم، وأيّ الموضوعات أعجب وأرغب وألذ وأشوق وأيها أعلق بالقلوب، بل كنتُ أرى فأفكّر فأكتب فأنشر ما أكتب، فأرضي الناس مرة وأسخطهم أخرى من حيث لا أعتمد سخطهم ولا أتطلّب رضاهم.

ثالثها:

أني ما كنتُ أكتب حقيقة غير مشوبة بخيال، ولا خيالا غير مرتكز على حقيقة، لأني كنتُ أعلم أنّ الحقيقة المجرّدة عن الخيال لا تأخذ من نفس السامع مأخذا، ولا تترك في قلبه أثرا.

رابعها:

أني ما كنتُ أكتب للناس لأعجبهم، بل لأنفعهم ولا لأسمع منهم، أنت أحسنت، بل لأجد في نفوسهم أثرا مما كتبتُ".

السيد مسعود

مدرّس في قسم معهد اللغة العربية بجامعة دار العلوم زاهدان- إيران
مجموع المواد : 48
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020