أمانة القلم!

ما أبعد حاملي القلم في هذا الزمن عن الشعور بأمانة القلم! وما أكثر هذه الأمانة تعرضا للضياع في هذا العصر

يقول علّامة العربية أبو فهر محمود شاكر:

"إنما حملتُ أمانة هذا القلم لأصدعَ بالحقِ جهاراً في غير جَمْجَمة ولا إدْهان، ولو عرفتُ أني أعجزُ عن حمل هذه الأمانة بحقّها لقذفتُ به إلى حيث يذِلُّ العزيز ويُمتهن الكريم. وأنا جنديّ من جنود هذه العربيّة، لو عرفتُ أنّي سوف أحملُ سيفاً أو سلاحاً أَمْضَى من هذا القلم لكان مكاني اليوم في ساحة الوغى في فلسطين، ولكني نذرتُ على هذا القلم أن لا يكفّ عن القتال في سبيل العرب ما استطعتُ أن أحمله بين أناملي، وما أتيحَ لي أن أجدَ مكاناً أقول فيه الحق وأدعو إليه، لا ينهاني عن الصراحة فيه شيء مما ينهى الناس أو يخدعهم أو يغرّر بهم، أو يُغريهم بباطل من باطل هذه الحياة!".

(جمهرة المقالات١|٤٩٠)

إنّ هذه الفقرة الرائعة لشيخ العربية محمود شاكر -رحمه الله- حقّ لها أن تُكتب بالإبر على آماق البصر لتكون عبرة لمن اعتبر، لقوّتها وصراحتها في بلورة أهمية القلم والكتابة والرسالة الملقاة على عاتق الكاتب.
إنّ القلم أكبر سلاح، وآلة للجهاد، ووسيلة للعلم، ولا أدلّ على خطورته من ذكر الله إياه مع الآيات الخمس الأولى المنزّلة على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: «...الذي عَلَّمَ بالقلمِ...» وكذلك إقسامه تعالى به في «ن وَالقلمِ وما يَسطُرُوْنَ».
إن كل من يريد أخذ القلم بين أنامله، ليعلم بادئ ذي بدء وقبل أن يحمله ويكتب به كلمةً، قيمةَ هذا القلم، وخطورةَ الكلمة التي يسطّرها بالقلم، ثم تأثير تلك الكلمة على نفوس الناس من القارئين والمتلقّين، وليعلم بأن القلم أمانةٌ كبيرة جدا في يده، فليعرف هذه الأمانة أوّلا ثم ليحسن استخدامها.
القلم كما يقال «سلاحٌ ذو حدّين» بيد الكاتب، يستطيع أن يكون نافعاً وكذلك ضارّا، يستطيع أن يُحيي به ويستطيع أن يَقتل، ويصلح أو يفسد، والكاتب بهذا القلم يستطيع أن يسقي قُرّاءه عسلًا مصفّىً، كما يستطيع أن يسقيهم سُمّا زُعافا.
رحم الله الكتّاب الأمناء الأوفياء، ومن كان على شاكلتهم، وسار على نهجهم في حمل سلاح القلم، من الذين عرفوا قيمة هذا السلاح وخطورته معرفة تامة، ثم تعاملوا معه على أساس هذه المعرفة، فلم يداهنوا ولم يساوموا، ولم يهنوا ولم يخونوا ولم يضيّعوا حق القلم، ولم يتاجروا به! ولم يستسلموا ولم ينسحبوا، ولم ينتازلوا، ولم يلسبوا الحق بالباطل.
ما أبعد حاملي القلم في هذا الزمن عن الشعور بأمانة القلم! وما أكثر هذه الأمانة تعرضا للضياع في هذا العصر ! فقد أصبح القلم ينضح منه السمّ الزعاف، بعدما وقع في أيدي العابثين به والمُبطلين والمحرّفين والجاهلين والغالين! (إلا مَن رحمَ ربّي وقليلٌ مّا هُم) يا لهوان القلم في هذا الزمن حيث أصبح أداةً للكذب والتزوير، والتلبيس والتدليس، والخيانة والعُمالة!

أخي الكاتب من حق هذا القلم عليك أن تعرف قيمته وخطورته قبل أن تسوّد به بياض الورق، فمن حقه أن تأخذه بقوة وأمانة، وتستخدمه في الحق وللحق، وأن تحمله مجاهدا مكافحا مناضلا مرابطا على ثغور الدين والقيم والأخلاق.

سيد مسعود

إشراقة/ ٦ شعبان ١٤٤١

السيد مسعود

مدرّس في قسم معهد اللغة العربية بجامعة دار العلوم زاهدان- إيران
مجموع المواد : 48
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020