أدوات الكتابة

أهمّ الأدوات التي يجب امتلاكها لكل من يريد أن يكتب باللغة العربية معرفةُ الصرف والنحو، فلا بدّ للكاتب من معرفة مقدار من هذين الفنين يؤهّله لإمساك القلم.
لأن الجاهل بقواعد الصرف والنحو يخطئ ويزلّ ولا يقدر على الكتابة السليمة. والأنكى أنه يخطئ ولا ينتبه لأخطائه إلى أن يذكّره شخص آخر ويصحّح له ما أخطأ فيه! ويا له من عَجز وشَين.

لا يستغني متعلم القواعد الابتدائية للصرف والنحو عن معلّم يعلّمه ويدرّبه، فلا ينجح في إتقان هذه القواعد عن طريق المطالعة الشخصية، أجل، تفيده المطالعة في المرحلة التالية وبعد التفرغ من تلقي القواعد الضرورية، لو ابتغى التغلغل في الفنين.
 إن المشكلة الكبرى لدى الراغبين في الكتابة والمبتدئين الذين يمارسون الكتابة، هي ضعفهم في مجال الصرف والنحو، إذ غالبية أخطائهم منصبّة في هذه الخانة، والمكتوب لا يُبحث فيه عن الأخطاء من حيث المعاني والقواعد البلاغية ومواضع الوصل والفصل، متى كانت فيه أخطاء صرفية ونحوية، ولأنها أمور ثانويّة ومحسّنات يأتي دورُها بعد سلامة المكتوب صرفيا ونحويا ولغويّا.

كيف يتجرّأ على إمساك القلم من لا يعرف الاشتقاق والتصريف والإعلال، ولا يعلم شيئا من التغييرات التي تجري في المهموز والمثال والأجوف والناقص والمضاعف؟ أو لا يدري متى يُورِد الفعل مذكّرا ومتى يورده مؤنثا ؟ أو متى يُوحِّد الفعل ومتى يَجمعه ؟ أو لا يميّز بين الفاعل والمفاعيل؟ أو لا يعرف أحكام المُبتدأ والخبر ؟ أو لا يعرف الحروف الناسخة، أو الأفعال الناسخة، أو لا يقدر على التفريق بين المضاف والموصوف ؟ وهلم شرّاً.

أعتقد أن الذي يُتقن الصرف والنحو هو مرشّح للتقدم والتألق في اللغة العربية عن طريق المطالعة، فيمكنه تقويم لسانه ويده، وتعزيز لغته، وتطوير أسلوبه، بجهوده الذاتية، وأما الذي لا يُتقنهما، فلا يرجى له تقدّم، لأنّ مشكلته من الأساس.

عندما أتقن الكاتب الصرف والنحو وعرف قسطا منهما، يأتي بعد ذلك دور أدوات الكتابة الأخرى التي تهذّب ألفاظه، وتزيّن كلامه، وهي مما يمكن تحصيله عن طريق المطالعة الشخصية الموسّعة المستمّرة المثمرة في الأدب العربي، كـ القراءة في الأشعار والأخبار، والتراجم والسير، والرسائل والمقامات، والخطب والأقوال، والحكم والأمثال، والاستفادة منها في كتاباته، فبمقدار ما يُتقن هذه الأدوات يزداد خبرةً ونضجا ومهارة وإبداعا ونجاحا في فن الكتابة.

قد تناول ابن عبد ربّه الأندلسي أدواتِ الكتابة هذه في كتابه "العقد الفريد"، فأحسن وأجاد، وأمتع وأفاد، وهو يقول:

"فإنْ كان لا بُدَّ لك من طَلَب أدوات الكِتابَة فتَصفَّحْ مِن رسائل المُتقدِّمين ما يُعتمَد عليه، ومن رسائل المُتأخِّرين ما يُرْجَع إليه، ومن نوادر الكَلام ما تَستعين به، ومن الأشعار والأخبار، والسِّيَر والأسمار ما يَتَّسِع به مَنْطِقُك، ويَطولُ به قَلَمُك، وانظر في كتُب المقامات والخُطب، ومُجاوبة العَرَب، ومعاني العجم، وحُدود المَنْطق، وأمْثال الفُرس ورسائلهم، وعُهودهم وسيرهم، ووقائعهم ومَكايدهم في حُروبِهم، والوَثائق والصُّور وكُتب السجلاَّت والأمانات، وقَرْض الشِّعر الجَيِّد، وعِلْم العروض، بعد أن تَكون مُتوسِّطًا في علم النَّحو والغَريب؛ لتكون ماهرًا تنتزعُ آيَ القرآن في مواضعها، والأمثالَ في أماكنها؛ فإنَّ تَضْمين المَثل السَّائر، والبَيْت الغابر البارع، مِمَّا يزيّن كتابَك". (العقد الفريد ٤|١٧٥)

سيد مسعود
    إشراقة/ ٦ رمضان ١٤٤١

 

السيد مسعود

مدرّس في قسم معهد اللغة العربية بجامعة دار العلوم زاهدان- إيران
مجموع المواد : 48
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020