أجواء الكتابة

بما أنّ الكتابة نشاط فكري، تحتاج في نجاحها إلى أجواء ملائمة، وتتطلب ممّن يمارسها التأهب اللازم قبل البدء فيها، إذ انعدام هذه الأجواء يؤدّي إلى تعسّرٍ في ولادة الكلمات وتبعثرٍ في رصف الأفكار.
  نعرف أنّ لحظة الكتابة بحدّ ذاتها من أصعب الأوقات على النفس، تُعرّض الكاتب للمعاناة والضغط على الأعصاب، فلا يكتب جملةً أو فقرة إلا باستنفاد مقدار من الطاقة، وفيما لم يختر الكاتب الأجواء الملائمة لممارستها تتضاعف هذه المعاناة لا محالة.
 يحسُن بنا الإصغاء إلى أحد فرسان ميدان الكتابة وأرباب البلاغة لتبيين هذه اللحظة الصعبة وما يعانيه هو عند ولادة الفكر، ومن ثَمّ تأهبه للكتابة والتماسه الأجواء لها، فلنترك الحديث هنا لشيخ العربية محمود شاكر وهو يحدّثنا عن طريقته في الكتابة:

"مِن عادتي - إذا ما استَبهمَ عليَّ نَفاذُ الرأي - أن أعدِل بأفكاري إلى اللَّيل، فهو أحصنُ لها وأجمعُ، فإذا كان الليلُ، وهدأتِ النائرةُ، وأَوَى الناسُ إلى مضاجِعهم، واستكنَّتْ عقاربُ الحياةِ في أحجارِها - تفلَّتُّ من مكاني إلى غُرفتي، أُسدِلُ ستائرها وأغلِّقُ أبوابَها ونوافذها، وأصنعُ لنفسي ليلاً مع اللَّيل، وسكونًا مع السكون، ثم أقعد متحفِّزًا متجمعًا خاشعًا أملأ عيني من ظلام أسود، ثم أدعُ أفكاري وعواطفي وأحلامي تتعارَف بينها ساعة من زمان، حتى إذا ماجتِ النفس موجَها بين المدِّ والجزر، ثم قرَّت وسكنتْ، وعاد تيَّارها المتدفِّق رهوًا ساجيًا كسعادة الطُّفولة، دلفتُ إلى مكتبي، أستعين الله على البلاء".

(مجموع مقالات محمود شاكر ج1| 52).

نسمع الكثيرَ وهو يشكو بأنه يحاول كتابة شيء فيفشل، يأخذ القلم بين الأنامل ولكن ذهنه يكلّ، يأبى إسعافه بولادة الأفكار، وخاطره معطّل لا يُمطر عليه فيضاً، ومشكلته أنه لم يتأهّب للكتابة ولم يهيّئ لها أجواءها، بل يريد الكتابة كيفما اتفق، ثم يضع القلم قائلا: "إنني لم أخلَق للكتابة" وهو لا يفطن أين المشكلة!

 التأهّب للكتابة والتماس الأجواء لممارستها إضافةً إلى المساعدة على ولادة الكلمات والأفكار ونجاح عملية الكتابة، في ذات الوقت أمرٌ يقتضيه احترام القرّاء، لأن الكاتب لا يتمكّن من تقديم شيء إلى القرّاء يستحق القراءة والعناية إلا مع توافر أجوائها. إذ المُخّ ليس عمله على مدار اليوم سواءً، بل هو مختلف بالنسبة من وقت إلى وقت ومن ساعة إلى أخرى، يختلف نشاطه مثلا في بداية الصبح عنه في وسط النهار، وبداية الليل عن منتصفه، وهلمّ جرّاً، والناس في هذا المجال مختلفون.
ليست قليلة تلك المكتوبات التي نواجهها في شبكات التواصل الاجتماعي يوميا لكننا نغار على تمضية حصة من وقتنا في قراءتها! ذلك لخلوّها من العناصر التي تنال إعجاب القارئ كالأسلوب الجميل، والتعبير الرائق، والإبداع، أو الاشتمال على فائدة، نتيجة عدم تأهب الكاتب وتهيئته الأجواء، فكذلك القرّاء مع كتاباتنا فهم سيعتبرون قراءتها ضياعا للوقت لو لم نُحسن تهيئة الأجواء لها.
لا يتحقق النجاح للكاتب في مجال الكتابة إلا إذا اهتم بها اهتماما وحسب لها حسابها، واحترم قرّاءه، ولا يتحقق له هذا إلا بالتأهب للكتابة وممارستها في أجواء ملائمة. يقول محمود شاكر:

"فإنَّ حقَّ القُرَّاء علينا أن نتّخذ لهم صنيعًا ومائدةً تكون أشهى وأمرأ، وأقرب متناولاً، وأردَّ على شهواتهم فائدةً".

السيد مسعود

مدرّس في قسم معهد اللغة العربية بجامعة دار العلوم زاهدان- إيران
مجموع المواد : 48
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020