مرحلة في مسيرتك الكتابيّة!

إنني كلما تقدّمتُ شعرتُ من نفسي يميل إلى انتقاء أسهل العبارات وأقربها إلى اللغة المألوفة، ونفورٍ من زخرفة الجمل والعناية بالألفاظ

كلما يمضي الكاتب في مسيرته الكتابية قُدُما، يزداد خبرة ونضجا، ويتجلى له خطأ بعض الرؤى التي كان يتبنّاها سابقا، فيتنازل عنها، وقد كان يتحمس في تبنيها والتمسك بها يوما بحيث لا يقدر شيء على صرفه وزعزعته.
إن الكاتب يهتم في بداية الطريق بالألفاظ كثيرا، ناسيا جانب المعنى، فلا يفكر فيه أو قلما يفكر، ظنا منه أن البراعة في زخرفة الألفاظ وفخامتها، لا روعة المعاني وقوّة الأفكار. فيستخدم الكلمات الجزلة والتعابير المرصّعة، ويحاول لاختيار الألفاظ الصعبة والغريبة والحوشية، إثباتا لبراعته وعرضا لعضلاته اللغوية، ولو شققتَ هذه الكلمات لتفتش تحت أكوامها عن معنى جيّد قلما وجدته.
 جلّ تركيزه يجعله على تنميق الألفاظ وتزويق التعابير، ولا بأس عنده بما يصيب المعنى من شطط وغمط، فيذهب المعنى ضحية وهو لا يبالي، بل هذا مما لا يجد في فكره حيّزا.
 يظهر شحيحا في الفكر والمعنى جوّادا نَدِيَّ الكَفّ في الألفاظ والمباني، مما يجعله يُلبس الفكر الساقط والمعنى الخسيس أفخم البدْلات وأجمل الحُلل والعكس يجوز.
تحضره أثناء الكتابة لغةٌ تعجبه، فيحاول لاستخدامها، لأن تلافيها من أصعب الأمور عليه، فيكون همُّه استخدامها حتی ولو علم أن الكلمة ليست بينها وبين الكلمات الأخرى علاقة كبيرة أو هي لا تستقيم في ذلك الموضع.
  قد يذكّره الآخرون بالتعديل في أسلوبه والاهتمام بالمعنى واختيار الألفاظ السهلة لإيصال المعنى المراد، لكنه ليس ليعير مثل هذا الكلام أي اهتمام، يمضي في طريقه وكأنه في صَمَم عمّا قد يقول له الآخرون، إذ هو واثق من صحة مذهبه!
يفعل كل هذا ويظن أن البلاغة والبراعة في الكتابة هي ما عليه هو! يرى البلاغة محصورة في جمال الألفاظ وغرابتها، مُهملا المعاني التي تُعدّ الألفاظ قوالب لها في الحقيقة.
ثم بعد ما يواصل الطريق إلى الأمام يفطن لرؤيته الخاطئة فتنقلب رؤيتُه، ليجعل بعد ذلك تركيزه على إيصال المعنى إلى القارئ في أسهل الألفاظ وأبلغها، وجعْل الألفاظ تابعة للمعاني عكس ما كان يفعل سابقا، يختار من الكلمات أسهلها وأوضحها وأوفاها، يتخيّر الألفاظ بدقة حتى لا ينال من المعنى، ويعطي كلا من اللفظ والمعنى حقه، وبمقدار ما كان يتهافت على الألفاظ المزخرفة والغريبة بالأمس يصير اليوم يفر منها ويزهد فيها!
إنّ هذه مرحلة مجتاز بها لا محالة كل من يكتب، وليس من كاتب إلا وهو قد خلّفها في مسيرته الكتابيّة.
أقول هذا حتى أزيل القلق الذي قد يعتري الكاتب المبتدئ عندما يرى الكتّاب الخبراء يؤكدون على اختيار الألفاظ السهلة في وقت هو يجد رغبته في عكس الأمر. فخلافه ذنبٌ، لأن هذه مرحلة من مراحل الكتابة ورؤية يتبنّاها جميع الكتّاب مدة من الزمن، ثم يأتي يومٌ يتجردون فيه منها!

نعم، يكون الكتّاب سواسية في المرور بهذه المرحلة، ويكاد أن لا يُستثنى منها أحد حتى ولو كان الكاتب والأديب العربي الكبير الأستاذ على الطنطاوي، فهو أيضا عاش هذه المرحلة حتى اجتازها، وها هو يحدثنا عن نفسه، فيقول:

"إنني كلما تقدّمتُ شعرتُ من نفسي يميل إلى انتقاء أسهل العبارات وأقربها إلى اللغة المألوفة، ونفورٍ من زخرفة الجمل والعناية بالألفاظ. وقد كانت هذه الزخرفة وهذه العناية بالألفاظ أكبر همّي أوّلا حتى لقد كنتُ أحسبُ البراعة في الكتابة بمقدار ما فيها رنّة موسيقية، لا بمقدار ما فيها من أفكار، ولا أبالي بنقد الناقدين لهذه الطريقة اللفظية الجوفاء، ولا أقيم له وزنا، كما أن إخواننا هؤلاء لا يبالون (كما أقدّر) بهذه الكلمة مني، ولا يقيمون لها وزنا!".(فكر ومباحث |١٧٨)

سيد مسعود 
 إشراقة/ ١٠ رمضان ١٤٤١

السيد مسعود

مدرّس في قسم معهد اللغة العربية بجامعة دار العلوم زاهدان- إيران
مجموع المواد : 48
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020