متى نكتب ؟

من الأسئلة الشائعة للذين يمارسون الكتابة: "متى أكتب؟" أو "متى تكتب؟"، يطلبون منك أن تحدّد لهم وقتا، أو يستجلون وقتك للكتابة ليختاروه لهم، وكأنّ عمليّة الكتابة لها وقت مكتوب معيّن!
إنّ اليوم بساعاته الأربع والعشرين صالح لممارسة الكتابة، ولك أن تكتب في أي ساعة شئت وحالفك النشاط والجلد، وصادفتَ الفرصة المتاحة، ووجدت الحادي إليها يحدوك. سواء في الليل وفي النهار، وعند الفجر، وبداية النهار، وعند المساء، أو في جنح الليل. إلا أن تكون من الذين لهم مزاج خاص في الكتابة، تتسهّل عليهم في ساعة وتتعسر في أخرى، ولو كان الأمر كذلك فمآله إلى المزاج، وعليك أن تجرّب الكتابة في الأوقات المختلفة حتى تجد ذلك الوقت الملائم لمزاجك، ومن الخطأ أن تسأل شخصا آخر متى يكتب لتحذو حذوه، فليس الأمر للمحاكاة فيه مجال. إذ الكتّاب مختلفون في هذا الباب بحكم أمزجتهم وطبائعهم.

فقد كتب الأستاذ أحمد أمين في سيرته الذاتية أنه لا يكتب في المساء مثلا، ويقول:

"قلّما ألّفتُ في المساء، لأني إذا كتبتُ هاج مخّي، فإذا ما نمتُ بعد الكتابة لم أنم نوما هادئا، وظلّ عقلي يحلُم ويحلُم، ويُبدئ ويعيد فيما كنتُ أكتب، وليس الحال كذلك إذا اقتصرتُ على القراءة". (حياتي|٢٩٠)

 أما الأستاذ محمود شاكر، فبالعكس تماما يفضّل الليل حيث يقول:

"مِن عادتي - إذا ما استَبهمَ عليَّ نَفاذُ الرأي - أن أعدِل بأفكاري إلى اللَّيل، فهو أحصنُ لها وأجمعُ، فإذا كان الليلُ، وهدأتِ النائرةُ، وأَوَى الناسُ إلى مضاجِعهم، واستكنَّتْ عقاربُ الحياةِ في أحجارِها - تفلَّتُّ من مكاني إلى غُرفتي، أُسدِلُ ستائرها وأغلِّقُ أبوابَها ونوافذها، وأصنعُ لنفسي ليلاً مع اللَّيل، وسكونًا مع السكون...". (جمهرة المقالات ج١|٥٢).

وهناك من لا تختلف الأوقات بالنسبة له، يكتب متى وجد فرصة، ليلا كان أو نهارا، صباحا كان أو مساءً. فقد قرأتُ في حوار للعلامة الدكتور يوسف القرضاوي -حفظه الله- نُشر قبل مدة أجراه معه سكرتيره الشيخ عصام تليمة، نزولا إلى طلبات جاءت في هذا المجال، عنوانه: "مع القرضاوي... متى يكتب الشيخ؟!" فيقول العلامة ردا على هذا السؤال:

"المهمّ أنه عندما تُصبح الفكرةُ في رأسي وتنضج، تلحّ عليً أن أفرغها على الورق، فأشرع في الكتابة، فيما يُتاح لي من الوقت، من ليل أو نهار. والمعتاد أن أكتب بالنهار حتى منتصف الليل. وأحيانا تسيطر عليّ الأفكار وتتزاحم الخواطر، وتتوارد المعاني في الموضوع الذي أكتب فيه، فيصيبني الأرقُ، ويطير النوم من عيني، وأحاول أن أقتفي النوم، فيفر مني شاردا، فلا أجد بُداً من القيام من الفراش، والنزول إلى المكتب لأسجل خواطري وأفكاري قبل أن تنفلت مني...وقد تمرّ علي بعض ليالٍ لا أنام فيها أكثر من ساعتين، وربما لا أنام فيها أبدا".

ثم يقول:

"أنا معتاد أن أكتب كل يوم في الصباح نحو ساعتين قبل أن أذهب إلى عملي الرسمي..."

 إذاً فالقرضاوي يكتب في الليل والنهار، وعندما يكتب في الليالي يُصيبه ما كان أحمد أمين يحذره من الأرق، إلا أنه ليس مما يهمه، كما أن هناك من يجد الضيق في الأوقات كلها لكنه لا يترك الكتابة لأنه يعتبرها واجبا لابد منه، مثل نيكوس كازنتزاكي، المؤلف والروائي اليوناني، حيث يقول:

"أشعر بضيق شديد ومع ذلك أكتب طيلة النهار لأنه يجب أن أكتب".

فكثيرا ما ينبعث لدى الكاتب السؤال عن الوقت الملائم "متى أكتب؟" أو "متى تكتب؟"، نتيجة الضيق والمعاناة التي يلقاها أثناء الكتابة، مع أن الكتابة لا تخلو من شيء من الضيق والمعاناة.
قد ثبت لنا بعد هذا السرد أن الكتابة ليس لها وقت معين، واختلاف هؤلاء الكتّاب في الأوقات المفضّلة لديهم كذلك دليل على هذا. المهم أن تسنح الفرصةُ، وتحضر الفكرة، وتتوفر الأجواء للكتابة، ولا عبرة للوقت. فعلينا أن نمارس الكتابة غير مكترثين بالوقت، فلو كان لنا مزاج خاص فهو يظهر لنا مع الأيام تلقائيا ثم نراعي مطاوعته، وإلا فنمارسها آناء الليل وأطراف النهار.

 سيد مسعود
إشراقة/ ٢٧ شعبان ١٤٤

السيد مسعود

مدرّس في قسم معهد اللغة العربية بجامعة دار العلوم زاهدان- إيران
مجموع المواد : 48
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020