الصيد والصناعة

الكتابةَ "صيدٌ" و"صناعةٌ"، فالصيد هو النقل وتأليف ما قال الآخرون، وأما الصناعة فهي الإبداع.

قبل أيام قرأتُ مساجلةً شعرية طريفة مُضحكة، دارتْ بين إبراهيم بن محمد المشهور بـ نِفطَوَيه (ت ٣٢٣هـ) النحوي واللغوي وأبي بكر محمد بن الحسن بن دُريد اللغوي، المشهور بـ ابن دُريد (ت ٣٢١هـ) صاحب معجم "الجمهرة".

وقعت المساجلة عندما وضع ابن دُريد كتابه "الجمهرة" وقد كان بينهما منافرة، لأجل المعاصرة، فلما صنّف ابن دريد كتاب "الجمهرة" قال نفطويه:
ابنُ دُرَيدٍ بَقَرَه * وَفِيهِ لُؤمٌ وَشَرَه
قَد ادَّعَى بجَهلِه * جَمعَ كِتابِ "الجَمهَرَه"
وهُوَ كِتابُ "العَين" * إلاَّ أنَّهُ قَد غَيَّرَه

فبلغ ذلك ابن دُرَيد، فقال يُجيبُه:
لَو أُنزِلَ الوَحيُ عَلَى نِفطَوَيه
لَكَانَ ذَاكَ الوَحيُ سُخطًا عَلَيه

وَشَاعِرٌ يُدعَى بنِصفِ اسمِه
مُستَأهِلٌ لِلصَّفعِ فِي أَخدَعَيه

أَحرَقَهُ اللهُ بِنِصفِ اسمِه
وصَيَّر البَاقِي صُراخًا عليه

وبالمناسبة قد كان نفطويه دميما جدا، وقد قال الثعالبي: لُقّب نِفطويه تشبيهاً إياه بالنِفْطِ، لدمامته وأدمته، ومن أطرف الأشعار الهجائية الواردة في كتب الأدب ما قاله فيه ابنُ بسَّام:
رَأَيتُ فِي النَّومِ أَبِي آدَمًا
صَلَّى عَلَيهِ اللهُ ذُو الفَضلِ

فَقَالَ: أَبلِغْ وَلَدِي كُلَّهُم
مَن كَانَ فِي حَزنٍ وَفِي سَهلِ

بِأَنَّ حَوَّا أُمَّهُم طَالِقٌ
إِن كَانَ نِفطُويَه مِن نَسلِي!

وعودةً إلى العنوان، لم يرمِ نفطويه ابنَ دُريد بسهامه وما هجاه إلا بعدما ألّف كتاب الجمهرة، لأنه نحى فيه منحى الخليل في كتاب "العين"، فاتّهمه بأنه جمع وألّف دون أصالة وإبداع.

رغم أنّ كلام الأقران والمعاصرين في بعضهم لا يَقدَح ولا يُعتنى به، كما ورد في علم الحديث، غير أننا من خلال هذه المساجلة نتوصّل إلى الفرق بين التأليف والإبداع، وأنه ليس كل تأليف إبداعا. وأن الناس منذ القديم كانوا يفرّقون بينهما.

من هذا المنطلق يمكننا القول بأن الكتابةَ "صيدٌ" و"صناعةٌ"، فالصيد هو النقل وتأليف ما قال الآخرون، وأما الصناعة فهي الإبداع. وفي كل زمان نحن نجد هذين الفنّين، ونجد رجالهما.

 الفارق أنه لا يخلو إبداع من صيد، وكثيراً ما يخلو الصيد من الإبداع، فهناك الكثير ممن هو بارع في الصيد والنقل، ولكن ليس له قدرة على الإبداع. فالتأليف الذي يجمع المنقولات من دون قيام بالتأسيس لرؤى جديدة من خلالها، يسمى تأليفا ولا يسمى إبداعا. والكاتب المُبدع المجيد هو الذي قادر على الجمع بينهما.

ينبغي أن ينال هذا الموضوع عناية الكتّاب والذين يريدون أن يصبحوا كتّابا بارعين مُبدعين، فإنهم في مجال إجادة كتاباتهم بحاجة إلى "الصيد" و"الصناعة"، وكما أن جودة الصناعة لا تتحقق إلا بكثرة المران والتدرّب على الكتابة، فجودة الصيد كذلك لا تتحقق إلا بكثرة القراءة والمعرفة.

سيد مسعود
إشراقة/ ١١ شعبان ١٤٤١

السيد مسعود

مدرّس في قسم معهد اللغة العربية بجامعة دار العلوم زاهدان- إيران
مجموع المواد : 48
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن

اكتب معنا


يمكننا نشر مقالك على شبكة المدارس الإسلامية، دعنا نجرب!

أرسل من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020