كيف تكتسب الملكة الكتابية في اللغة العربية؟

المقال يتحدث عن ضرورة (الحفظ) لأجل اكتساب مهارة الكتابة

سُئل عبد الحميد الكاتب عمّا مكّنه من البلاغة فقال:

"حفظتُ سبعين خُطبةً من خُطب الأصلع، فغاضت ثم فاضت". يعني بالأصلع أمير المؤمنيين علي بن أبي طالب رضي الله عنه"

عبد الحميد الكاتب (ت132هـ)

هو شيخ الكتَّاب وإمام المنشئين والمترسِّلين في الأدب العربي، أشهر كتّاب الرسائل في العصر الأموي وأبلغهم، اختصّ بمروان بن محمد آخر ملوك بني أمية في المشرق. وهو أول من وضع الأصول الفنية في الأدب العربي، صارت بلاغته مضرب المثل، حتى قيل: فُتحت الرسائل بعبد الحميد وخُتمت بابن العميد.

إنه يرى أن بلاغته حصلت بسبب كثرة الحفظ، وقد حفظ سبعين خطبة من خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

كلّما يسألنا أحدٌ عن طريقة التمكّن من الكتابة وإتقانها، يتلقى ردّنا على الفور وهو: اقرأ. لا شك أن القراءة الموسّعة لها أثر كبير في إتقان الكتابة، ولكن الحفظ أيضا مثل القراءة مؤثر في إتقان الكتابة وتحصيل الملكة والبلاغة فيها، ولا تستطيع القراءة أن تقوم مقامه.

نقرأ في كتب الأدب أن أحدا طلب إلى أبي نوّاس الشاعر العباسي الفحل (ت198هـ) أن يخبره كيف يستطيع أن يكون شاعرا؟ فقال له:

"احفظ ثلاثة آلاف بيت ثمّ انسَها، وبعد ذلك جرِّب الشعرَ".

ويقول برتراند رسل الفيلسوف البريطاني:

"نصيحتي لكل من يكتبُ أن يحفظ كنوز الأدب وذخائره عن ظهر قلب". (سيرتي الذاتية |258).

لا تحصل الملكة والقريحة الجيدة للكاتب في اللغة العربية، ولا تنضج فكرته، ولا يقدر على تقديم شيء ذي بال إلى القراء، ولا يقوى خياله، إلا بحفظ نصوص أدبية صالحة القدر من المنثور والمنظوم. فإن إكثار الكاتب من حفظ عيون النصوص كفيل بإكسابه القريحة، والفكر الواسع، وملكة الابتكار، وبلاغة العبارة، ورصانة الأسلوب، ودقّة المعنى، وشدّة التاثير، ونصاعة البيان. وإننا نقرأ في تراجم الأدباء والبلغاء والكتّاب المبرّزين القدماء أنهم كانوا يحفظون ألف ألف بيت، وصفحات كثيرة من النثر المترسّل، وإن محفوظاتهم هي التي ساعدتهم على الإبداع الأدبي. إذاً فالصلة بين الحفظ واكتساب الملكة، أكيدةٌ وطيدة، وهو ممّا يشكّل فراغا في مدارسنا الشرعية مع الأسف.

هذا ابن خلدون عندما يتحدّث في تاريخه عن باب الأدب العربي يربط بين اكتساب ملكة اللسان العربي وبين حفظ كلام العرب، مُعنوِنا: "في أن حصول هذه الملكة بكثرة الحفظ وجودتَها بجودة المحفوظ" فيقول:

"قد قدّمنا أنه لا بدّ من كثرة الحفظ لمن يَروم تعلّمَ اللسان العربي، وعلى قدر جودة المحفوظ وطبقته في جنسه وكثرته من قلّته تكون جودة الملكة الحاصلة عنه للحافظ. فمن كان محفوظه: شعر حبيب أو العتّابي أو ابن المعتزّ أو ابن هانئ أو الشريف الرضي أو رسائل ابن المقفع أو سهل بن هارون أو ابن الزيات أو البديع أو الصابئ، تكون ملكتُه أجود وأعلى مقاما ورتبةً في البلاغة ممّن يحفظ شعر ابن سهل من المتأخرين أو ابن النبيه أو ترسّل البيساني أو العماد الأصفهاني لنزول طبقة هؤلاء عن أولئك. يظهر ذلك للبصير الناقد صاحب الذوق وعلى مقدار جودة المحفوظ أو المسموع تكون جودة الاستعمال من بعده، ثم إجادة الملكة من بعدهما. فبارتقاء المحفوظ في طبقته من الكلام ترتقي الملكة الحاصلة". (تاريخ ابن خلدون ١|٤٩٥)

من نافلة القول أن الحفظ ليس معناه بقاء المحفوظ في ذاكرة الشخص حاضرا إلى الأبد، ثم استعماله إياه بعينه في كتاباته، بل معناه أن الحفظ مؤثر في إكسابه الملكة، ولو نسي المحفوظَ بعد ذلك بل النسيان مطلوب، حسبما ما قال عبد الحميد الكاتب: "فغاضت ثم فاضت"، وكذلك أبو نواس: "انسَها ثم جرّب الشعر".

وعلى هذا يجب على من يريد إتقان اللغة العربية وتحصيل الملكة والبلاغة الكتابية فيها، الاهتمام بـ:

  • حفظ النصوص الأدبية الكثيرة والجيّدة؛ نظمها ونثرها، (علاوة على القراءة المستمرة)
  • وليهتمّ بحفظ القرآن وما يتيسر له من الأحاديث النبوية، لأن أثرهما لا يُنكر في تحصيل هذه الغاية
  • وكذلك يُكثر من حفظ جيّد النصوص والفِقر والخُطب وعيون الأشعار والأمثال والحكم

إذ حصولُ الملكة -كما قال ابن خلدون- بكثرة الحفظ وجودتُها بجودة المحفوظ، هذا حتى يقدر على حيازة البلاغة من أطرافها.

 

 سيد مسعود

إشراقة/ ١٣ شعبان ١٤٤١

السيد مسعود

مدرّس في قسم معهد اللغة العربية بجامعة دار العلوم زاهدان- إيران
مجموع المواد : 48
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020