جنون الكتابة!

لا تسأل عن مدى استغرابي عندما يسأل عني أحد الإخوة ماذا أكتب؟! فما أكثر الموضوعات للكتابة لو كنا واعين متيقظين وتعوّدنا إلقاء نظرة نافذة فيما يمر بنا وما يجري حولنا يوميا. بإمكاننا أن نجعل من كل شيء موضوعا مهما كان ذلك الشيء بسيطا، فالمواضيع البسيطة والدقيقة قد تُظهِر البراعة والإبداع بما لا تُظهره الكبيرة والمشهورة منها، فهناك من الأشياء ما نتعامل معه بشكل روتيني عادي ولا نحسب له حسابا كموضوع اختلاف الليل والنهار، ومشهد غروب الشمس وشروقها، مع أنها مواضيع مهيّجة ومن الكتّاب مَن تناولها فعلا، وقد تناول البعض النمل بجِرمه الصغير، وآخر جاء وصوّر الإبرة، وآخر قام وتناول حبّ القمح أو قطرة المطر، وأشياء كثيرة أخرى، مما يدل على تنقيرهم ودقتهم فيما لا يدقق فيه العامة، -وهي ميزة الكاتب المبدع- فأجادوا وأحسنوا وأبدعوا وفتحوا  آفاقا جديدة كشفت عما ظل خافيا عن الأنظار رغم كونه بمرأى من الجميع ومسمع دائما، وذلك في أسلوب إبداعي أخاذ يعجز عن وصفه اللسان.

لا شحّ في الموضوعات فحدّث عن بني إسرائيل ولا حرج، وكلُ ما يجب عليك في هذا المجال هو أن تكون متحليا بصفة وهي "الجنون" نعم أعيدها مرة أخرى "الجنون" فلو حصلتَ على هذه الصفة تجدك لا تحتار في اختيار الموضوع للكتابات اليومية بل ربما تتزاحم عليك الموضوعات، إنّ جنون الكتابة من الأدوات المهمة لدى الكتّاب، بل إن أفضلَ الكتّاب وأمهرَهم هم أكثرُهم جنونا والكتّابُ باختصار شديدٍ هم مجانين ! وجنونهم جنون الكتابة، والجنونُ كما قيل فنونٌ.

يظهر جنونُهم عندما يأتي الموعد المحدّد لديهم للكتابة، حيث تراهم يغيبون عن الوجود ويكرهون الانشغال بأي شيء سواها، فلا يهدأ لهم بال ولا يقرّ لهم قرار إلا بالكتابة ومع التفرغ منها يزول جنونُهم إلى إشعار آخر. ولذلك نجد كتاباتهم تلامس المشاعر وتصيب أعشار القلوب، وبإمكان كل واحد منا أن يميز بينهم وبين من يعوزه هذا الجنون.

ادخلْ غرفةً أو أي مكان هادئ بعيدا عن الضوضاء وشهّر القلم وأطلق النفس على سجيتها، واكتب فكرتك التي استولت عليك وما يلحّ في خاطرك وما ينتاب ضميرك من المعاني، ولو استطعتَ أن لا تتكلف في الكتابة فافعل ! لأن الكتابة موهبةٌ وليست صناعةً والقارئ سرعان ما يشعر بالتكلف. ولعل السر في عدم إعجاب الكثير من الكتابات إيانا هو وجود التكلف فيه، كما أن السرّ فيما ينال من إعجابنا تخلصُ أصحابه من أغلال التكلف، يسجلون الوحي كما هو دون تحريف.

إذ أعتقد أنّ الكتابة وحيٌ ينزل على الكاتب ساعة الكتابة، وهو قد ترك الأشياء كلَّها ودخل غرفةً أو سردابا وأغلق البابَ أمامه وأحضر كلّا من القلم والورق والدواة وما يليق بالمقام ينتظر الوحي. والدليل عندي على كون الكتابة وحيا، أن هذا الوحي ينقطع بعض الأحيان لسبب وآخر فلا ينزل وترى الكاتب ينقطع مع انقطاعه عن الكتابة ! وإن خروج الروح لأهون عليه من الكتابة في تلك الفترة ! فلا تطاوعه الأفكار ولا يسعفه قلم ولا ذاكرة، يبحث جاهدا عن الكلمات ولكن دون جدوى وذلك لأن الوحي يأبى النزول! فلا يستطيع أن يكتب ولو كتب فيأتي بما لا يرضيه ولا يرضي القراء. وإن من آداب الكتابة أن يكف الكاتب عن الكتابة عندما ينقطع عنه الوحي تقديرا لهذا الوحي وإجلالا. إلا أن هذه الحالة قلما تعتري على الكاتب، خاصة لو استعدّ لتلقي الوحي وأعدّ للمقام ما ينبغي من الأجهزة الظاهرية والمعنوية.

قد جاءني بعض الإخوة الطلبة أيام الاختبارات وأفادوا: نحن نبدأ بالكتابة مغتنمين فرصة العطلة، ونرسل إليك كتاباتنا عبر وسائل التواصل، ومَن لا ينشط في الشبكات قال: أنا أقيّد كتاباتي في الكراسة لأريكها بعد العودة، فباركتُ لهم هذه الخطوة الطيبة والإرادة الطموحة، وأرجو أن لا ينسوا ما وعدوا.

وغني عن القول أننا طبعا -متلائمين مع مجال نشاطنا- نشجع على الكتابة بالعربية غير أن هذا لا يدل أبدا على الحط من شأن الكتابة باللغات الأخرى وبخاصة اللغة الفارسية بوصفها لغة البلاد الرسمية والوطنية فالكتابة بها لها أهميتها كذلك، والمهم الاستفادة من الأوقات والأيام والفرص السانحة.

وأذكّر نفسي وكل من يريد أن يكتب سواء بالعربية أو غيرها من اللغات أن يضع القراءة في الاعتبار ويلتزمها قبل الكتابة وبعدها، إذ القراءة تسهّل عملية الكتابة كما أنها في ذات الوقت تنمّي فينا جنون الكتابة وبالتالي تسبب ظهورَ كتاباتنا وأفكارنا أكثر نضجا وبلاغة ودقة وشمولا.

سيد مسعود
إشراقة/ 23 ربيع الثاني 1441

السيد مسعود

مدرّس في قسم معهد اللغة العربية بجامعة دار العلوم زاهدان- إيران
مجموع المواد : 48
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن

اكتب معنا


يمكننا نشر مقالك على شبكة المدارس الإسلامية، دعنا نجرب!

أرسل من هنا

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020