كيف تصبح فصيحا؟

قال أبو هلال العسكري (ت٣٩٥هـ) في كتيّبه الحثّ على حفظ العلم: حُكي لي عن بعض المشايخ أنه قال:

"رأيتُ في بعض قرى النَبْطِ فتىً فصيحَ اللهجة، حسنَ البيان، فسألتُه عن سبب فصاحته مع لُكنَة أهل جِلدته، فقال: كنتُ أعمدُ في كل يوم إلى خمسين ورقةً من كتب الجاحظ، فأرفعُ بها صوتي في قراءتها، فما مرّ لي إلا زمان قصير حتى صرتُ إلى ما ترى".

قديما كانت الطريقة المتبعة لدى العرب لتحصيل الفصاحة والسلامة في اللغة معايشة أهل البوادي من العرب الأقحاح، فكانوا يسلّمون الأطفال إلى بعض أهل البوادي لتبقى بينهم مدة من الزمن، لأن أهلها كانوا أفصح لسانا، وأنصع بيانا، وأسلم لغة، نتيجة قلة اختلاطهم بالعجم والذين دخل لغتهم العُجمةُ واللحن والدخيل.

إن الراغب منا نحن الأعاجم في تعلّم اللغة العربية في الأغلب لا يتيسر له معايشة العرب لا في الصغر ولا في الكبر، فليست في مُكنتنا المعايشة، لنتلقى عن طريقها الفصحى، وتنطلق ألسنتنا، وتفصح لغتنا، ولا تشوب عربيَّتنا العجمةُ واللحن.

إذاً لا بد لنا من البحث عن بديل يحلّ محل مخالطة العرب الأقحاح الأصَلاء، رفعا للحاجة والضرورة القائمة في هذا المجال إلى حدّ ما.

فما أجمل الوصفة التي ذكرها أبو هلال العسكري، إمام البلاغة وصناعة الأدب، في هذه القصة المجرّبة من مشايخه، وهي العيش في الكتب العربية الأدبية الفصيحة، والمداومة على قراءتها ورفع الصوت بها مدة من الزمن، تحصيلا للفصاحة.

نعم، إننا غير قادرين على معايشة العرب الأقحاح ونحن في بلاد العجم، فلا يتيسر لنا المخالطة بالعرب والناطقين بالضاد، رغم أن العرب أيضا لم يسلم أكثرها اليوم من اللحن والعُجمة.

لكن ما الذي يُعجزنا عن العيش في الكتب الأدبية! فماذا يمنعنا من العيش في "البيان والتبيين" للجاحظ؟ ماذا يمنعنا من العيش في "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني؟ وماذا يمنعنا من العيش في "الأمالي" لأبي على القالي؟ ماذا يمنعنا من العيش مدة في "العقد الفريد" لابن عبد ربه الأندلسي؟ وماذا يمنعنا من العيش في "معجم الأدباء" لياقوت الحموي؟

نعرف جميعا أنه لا يمنعنا شيء ولا يُعجزنا سوى الإهمال والتكاسل، فهذه الكتب هي معدودة في أمهات الكتب العربية، والعيش فيها ربما أكثر فائدة لنا من العيش بين أظهر العرب، لأنها ظلت وستظل سليمة في وقت لم تسلم العرب من اللحن (إلا ما شاء الله).

إن المهتمّين في بلاد العجم أكثر اهتمامهم بالقلم وتقويم اليد وأما تقويم اللسان فليس له حظه من عنايتهم، ولأجل هذا تكون أقلامهم أقوى من ألسنتهم في الأغلب، والذي فاق منا في الكتابة وعلا قدره وسما نجمه، نجده إذا تكلم يعثر لسانُه ويأتي بالعجائب! ويكون حال السامع معه كما قال المثل العربي السائر: "تسمع بالمُعيدي خيرٌ من أن تراه".

فليعش الراغب في تعلم اللغة العربية الفصحى كتابةً وتحدّثا، في إحدى هذه الكتب مدة من الزمن، رافعا بها صوته عند القراءة، مداوما على هذا العمل يوميا. فما أسهل الطريق وما أخفّ كُلفته بالقياس على النفع الذي يعود إلينا والغنيمة التي نحصلها.

 

سيد مسعود

     إشراقة/ ٨ شعبان ١٤٤١

السيد مسعود

مدرّس في قسم معهد اللغة العربية بجامعة دار العلوم زاهدان- إيران
مجموع المواد : 48
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020