يا ليت كل مدينة تصبح مثلها!؟

ما إن دخلت ساحة اجتماع الدعوة والتبليغ فما هذا الذي أراه لم يكن مجرد حلم، ولم يكن رؤيا، بل هي حقيقة، لكن عيناي لا تصدقان رؤيتي، بل تكذبانها في شكل تأويلات، فأحيانا تقولان: إنها خدعة سحرية، وأحيانا تقولان: مستحيل أن يحدث هذا الأمر، وأحيانا تقولان: هل من الممكن أن يكون هذا؟ وأحيانا تقولان: إننا لا نصدق، ولكن الحقيقة لا تخقى على أحد، كما أن القمر لا يخفى على أحد...

        فهذا هو الحوار الذي جرى بيني وبين نفسي، وفي النهاية تغلبت عليها، وأجبرتها على تصديق ما رأيته وما أراه، وكان المشهد بالفعل مشهدا عظيما، وتمثل هذا الاجتماع بدور توحد المسلمين تحت لواء واحد، وهو كلمة "لا إله إلا الله محمد رسول الله " فمن الأولاد الصغار إلى الكبار، والشباب إلى الشيوخ، ومن الطلبة إلى العلماء والأساتذة كانوا مشاركين فيه، وكانت مشاعرهم الإيمانية قوية، فقيامهم الجميع في صف واحد بإقامة واحدة، وأداء صلاتهم خلف إمام واحد، يشهد على ذلك...

        ثم ليس هذا فحسب، بل قيامهم في الليل، وبكاؤهم أمام رب العالمين، واشتغالهم في خدمة اجتماعية في النهار، واستماعهم لموعظات العلماء والمشايخ لم يكن مجرد اتفاق، بل هذه كلها تنطق عن قوة مشاعرهم الإيمانية، ولا رفث ولا جدال فيه، كل واحد يعفو عن الآخر، فتدريبهم على هذه الطريقة ييسر لهم قوة إيمانية حتى يسهل عليهم القيام بأحكام الله ـ سبحانه وتعالى ـ في ميادينهم، وفي بيوتهم، ومساجدهم...

        والنظام لا مثيل له، فإنه أقوى نظام في العالم، حيث إن الجميع يقومون بأعمال اجتماعية في وقت واحد، وفي وقت الموعظة الجميع متوجهون إلى سماع موعظة، فعند ما يكون وقت الطعام، فالجميع مشغولون في إعداد سفرة الطعام، وتناوله، ثم في وقت النوم الجميع ينامون، فمثل هذا المشهد يعجز العالم بأكمله في زمننا نحن، حتى أسرة واحدة في بيت صغير لا تتمكمن من التوافق على نظام واحد، فيكف بالعالم كله؟

        والأمر الذي نال إعجابي أكثر من الجميع هو الاهتمام بسنة حبيبنا ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكل واحد يهتم بسنته ـ عليه الصلاة والسلام ـ في الأكل والشرب، والنوم، وفي المشي حيث لا يشعر المارون والماشون أي تضايق في المشي وفي المرور، فكل واحد يمشي على يمين الطريق، وبهذه الطريقة قل التضايق في المشي، ثم محلات الوضوء فيها أيضا نظام عجيب، فكل واحد يكون في طابور ينتظر نوبته ودوره دون أي جدل ولا كلام، ولا شجار، فما إن جاء دوره توضأ وانصرف إلى مكانه، والاهتمام بالسواك عند الوضوء كان أمرا عاديا، فلم أجد واحدا من بين أولئك المتوضئين لا يستاك عند الوضوء، ولا يحمل في جيبه مسواكا، بل بائعو السواك كانوا جالسين قريبا من محلات الوضوء، والذي ما كان عنده مسواك، فكان يذهب ويشتريه منه، ثم كان يرجع إلى محلات الوضوء ويستاك ويتوضأ..

        وبالفعل أن ساحة الإجتماع تقدم مشهد مدينة إسلامية، وقد عمرها سكان كراتشي لثلاثة أيام، فيا ليت كل مدينة من بلدنا تصبح مثل هذه المدينة...

أ. د. خليل أحمد صالح


مجموع المواد : 327
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020