الشيخ علي الطنطاوي ، فارس القلم و الأدب

كلما أتسكع في سكك أفكاري المتناثرة و أقضي جلَّ أوقاتي بها، أحبس نفسي في زاوية و أجدف زورق أفكاري و أستذكر تلك الأيام السعيدة التي كنتُ أمشي في مسار عشاق الكتابة و أتدرّب الكتابة باللغة العربية، و أستلهم أفكاري و ثقافتي و كلماتي و معانيها من ينابيع كتب الأدباء و مناهل عرفانهم و كنت أصبغ صبغتهم كطويلب صغير متدرب علی موائدهم العلمية التي كانت تغذينا فكريا و روحيا و نظريا و ثقافيا، كانت تلك الأيام من أحلی و أغلی أيام حياتي.

ولا أنسی لذة مطالعة ذكريات الشيخ الأديب الأريب فقيه الأدباء و ناطقهم علي الطنطاوي رحمه الله تعالی، حينما كنت أتصفح ذكرياته و أستغرق فيها و أقتطف منها الدرر و اللآلي، و أتثقف بثقافته الأدبية و الفكرية و النظرية، كنتُ أستلهم كلماتي و منهج كتابتي من تلك الذكريات العاطرة المشرقة.

الشيخ علي الطنطاوي أخذ بناصيتي و كان يجرني وراء ذكرياته و يضحكني حينا و يبكيني حينا، و كان سروري و حزني لحظويا أثناء مطالعة ذكرياته،كنتُ أستمتع و أتلذذ من قراءة ذكرياته و يغمرني السرور و البهجة و اللذة.

 يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالی حول ذكرياته:

«ثم أحالتني الأيام على التقاعد، فودعت قلمي كما يودَّع المحتضر، وغسلته من آثار المداد كما يُغسل من مات، ثم لففته بمثل الكفن وجعلت له من أعماق الخزانة قبراً كالذي يُدفن فيه الأموات. حتى جاءني من سنة واحدة أخ عزيز، هو في السن صغير مثل ولدي، ولكنه في الفضل كبير، فما زال بي يفتلني في الذروة والغارب (كما كان يقول الأولون)، يحاصرني باللفظ الحلو، والحجة المقنعة، والإلحاح المقبول؛ يريدني على أن أعود إلى الميت فأنفض عنه التراب وأمزق من حوله الكفن، وأنا أحاول أن أتخلص وأن أتملص، حتى عجزت فوافقت على أن أكتب عنده ذكرياتي. فيا زهير: أشكرك؛ فلولاك ما كتبت.»

 الشيخ الطنطاوي بعد التقاعد ودَّع القلم و جعله في الخزانة، و غسل يده عن الكتابة، أما الشيخ زهير الأيوبي يقنعه و يجبره علی كتابة ذكرياته و ارسترجاع ذكرياته و حياته و  تجاربه، الشيخ  الطنطاوي استرجع جميع ذكرياته التي كان يحملها طوال حياته، و أعدَّها أغلی و أثمن و أحلی مقتضياته، فالشيخ الطنطاوي أعطی ثروة ثمينة ذهبية غالية لعشاق الأدب العربي، و أفعم قلوبهم و عقولهم ثقافة و أدبا و فكرا.

الشيخ رحمه الله تعالی سبق جلّ الكتاب في الكتابة، هو قدوة في الأدب المحتشم الملتزم، المنابر تذكر خطبه المجلجلة النارية التي كانت تنبعث من أعماق قلبه، بل الخطابة و الإذاعة مرهونتان له و لكلماته الرصينة السليسةالأدبية، كأنه قبضة من أرض الشام عجنت بنهري الدجلة و الفرات و النيل، كلما قرأتُ ذكرياته و كتبه زادني غيرة و نخوة و ثقافة و أدبا، كأنني في سفينة و أجدفها و أتمتع في بحار علمه و مناهل أدبه، بل كان رحمه الله تعالی فارس القلم و الأدب.

 رحمه الله تعالی، كان صحفيا و مسرحيا و أديبا و كاتبا و قصاصا و رحالة و قاضيا و مربيا و ملهما، كان أعجوبة من أعاجيب عصره، يا أستاذي أعترف أني عجزت عن بيان أحاسيسي و خواطري عنك، القلم يتلعثم، و الكلمات تغيب، يا ليتك أعرتني قلمك و أدبك و روحك كي أصفك بما وصفك الأدباء و الكتّاب.

عبدالسلام العمري البلوشي

المدرس و باحث الفكر الإسلامي و السياسي
أنا متخرج جامعة عين العلوم جشت و تخصصت في الحديث النبوي و الأدب العربي
مجموع المواد : 22
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020