هل محاسبة طالب علم على عدم إكمال واجباته شدة أم أنها في الحقيقة شفقة ورحمة!؟

إن حياتي تقريبا قضيتها بين جدران المدارس المختلفة، فمنذ طفولتي إلى أن كبرت رأيت أشياء كثيرة جدا بين أوساطها، وتعلمت أشياء فأشياء، والأمر الذي أتذكره اليوم، هو أن ذلك الأستاذ الذي كان يشدد علي في دراستي، قد أحسن إلي معروفا لن أنساه طوال حياتي، فلا أخفي عن القاري بأن الغضب كان يغلي في قلبي لذلك الأستاذ، كالماء في القدر على النار، وأنا أقول علنا: بأن ذلك كان أكبر خطأ في حياتي، بأني أشعلت نار الغضب عليه، لكن من ناحية أخرى عند ما أرى نفسي، أنني كنت طالبا آنذاك، فلا ألوم نفسي، بل أقول: لا علي، وذلك لأن الطالب يكون في زمن طلب العلم كالولد الصغير، الذي لا يعلم ما يفيده وما يضره، بل يحب أن ينفذ كل ما هو يريده، وإن لم يكن له فيه خير...

      والأيام كانت تمضي كالبرق، حتى أنهيت دراستي، وخرجت من أمواج بحر طلب العلم كطالب، وصرت أستاذا رسميا، وبدأت أتفكر في طلابي، وفي مستقبلهم، فكنت في مجال التدريس على شاكلة أساتذتي، وبما أنني اليوم أيضا أستاذ لكني تحت إشراف أساتذتي، فمن حين إلى حين أتعلم منه ما يزيد خبرتي، ودون المبالغة أقول: إني رأيت بعض الأساتذة يمشون على الأصول والقوانين الوضعية، ويطبقونها على طلابهم، ولا يتلينون مع الطلاب في دراستهم، بل يحاسبونهم على عدم إكمالهم الواجبات محاسبة شديدة، فيعاقبونهم عقابا مختلفا، فمثل هؤلاء الأساتذة يكرهم طلابهم خلال دراستهم، لكن سرعان ما تزول تلك الكراهية، وتتحول إلى محبة صادقة، لا يزيلها إلا الموت، فيدعون لهم في دعواتهم الخالصة، لأنهم تسببوا في تعمير مستقبلهم، لكن في نفس الوقت يوجد هنالك بعض الأساتذة الذين يمذهبون مذهبا خاصا في التعامل مع الطلاب خلال دراستهم، فيكرهون الشدة معهم، وتطبيق القوانين عليهم، فمثل هؤلاء الأساتذة يحبهم طلابهم في وقت دراستهم، لكن سرعان ما تتحول تلك المحبة إلى الكراهية، بل إلى أشد الكراهية، وذلك لأنهم قد تسببوا في تدمير مستقبل الطلاب، والآن هم المساكين يعانون العديد من المشاكل في ميادين التدريس.

      ومثل الأستاذ والطالب هو مثل الأب والولد الصغير، فإن الولد الصغير لا يحب أن يذهب به أبوه إلى المدرسة، ولا يرضى بذهابه، بل يحاول التخلص منه بكثرة بكائه، لكن الأب العاقل والذي لا يريد له إلا الخير، يحمله على كتفه، ويذهب به إلى المدرسة دون أن يبالي ببكائه، وإن كان بكاؤه يؤلم الأب من داخله، لكنه يعلم بأنه يجب أن يربي ولده تربية حتى عند ما يكبر فيكون مرتاحا، ولا يحتاج إلى غيره، وإضافة إلى ذلك  لا يلومه أحد من الناس على ما يقوم به، بل الجميع يثنون عليه ويمدحونه على فعله هذا، ويقولون له: بأنه لا يريد إلا مستقبله، فعند ما يكبر ذلك الولد يدعو لأبيه، ويذكره بكلمات جميلة على ما فعل به لأجل تربيته، وتعليمه.

      لكن لو كان يترك ذلك الأب ولده الصغير بسبب بكائه، ولم يذهب به إلى المدرسة، فالناس يلومونه، ويقولون له: إنه لا يريد لولده خيرا، الذي لا يعقل شيئا، ولا يعلم منفعته ومضرته، لكن الأب يعلمها، ولما ذا لا يذهب به جبرا وكرها، حتى يتنور مستقبله، وليس فقط هؤلاء، بل ولده الصغير نفسه الذي كان يتركه لأجل بكائه، يلومه عند ما يكبر، بل يغضب عليه ويسمعه، ويلقبه بأنك يا أبي، من أكبر أعدائي في تدمير مستقبلي، فهنالك الأب المسكين لا يستطيع أن يفعل شيئا سوى الجمود والسكوت والصموت أمام ولده.

      فإن الأستاذ أيضا بالنسبة لذلك الطالب كالأب، فإنه لو أشفق على طالب من طلابه في دراسته، وأمهله ولا يقول له شيئا، بأنه يكمل واجباته أم أنه يتكاسل فيها، فمثل هذه الشفقة في الحقيقة ليست شفقة، بل هي عداوة مع الطلاب في تدمير مستقبلهم العلمي، وكم مرة سمعت من أساتذتي بأن الطلاب عندنا أمانة، فلا بد من الحفاظ عليها، فلا يمهل طالب أنه يشتغل فيما يريده هو، بل يجبر على دراسته، وإن كان يكرهه، وذلك لأجل مستقبله، فنفس الطالب بعد ما يتخرج يدعو لذلك الأستاذ، ويثني عليه في كل مكان، ويعتقده أكبر محسن له في مجال التعليم...

      وتجربتي تقول: إن الشدة على الطلاب في مجال دراستهم في الحقيقة ليست شدة، وإنما هي أصلا الشفقة والرحمة عليهم، حتى يتنور مستقبلهم العلمي، وإن كانوا يكرهون أساتذتهم، لكن سوف يعلمون قريبا جدا بأن الأساتذة ما كانوا يريدون لهم سوى الخير، أما إذا أراد أحد الأساتذة تدمير مستقبل أي طالب فيلعب معه هذه اللعبة، حيث إنه لا يقول له شيئا، بل يتركه حرا، ويعطيه كامل الحرية، التي هي في الحقيقة حرية في غلاف عبدية، فيدرس أم لا يدرس؟ يحفظ أم لا يحفظ؟ فإنه يقضي بقية حياته كمفلس، فيحتاج إلى الآخرين في كل ميدان، فلذا أقول للأساتذة الكرام الذين يستحقون كامل التقدير والاحترام: بأنهم يأخذون طلابهم في مجال دراستهم، ولا يتركونهم يسبحون في بحر قتل الأوقات، بل يجبرونهم يتعلمون السباحة في بحر ما يفيدهم في مستقبلهم، حتى يغنيهم ذلك البحر من كل شيء...


أ. د. خليل أحمد صالح


مجموع المواد : 328
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020