هل تقوى عل حل لغزة (أنا يكتب)

         لقد سمعت من أساتذتي غير مرات أن مادة الإنشاء تحتاج إلى التدريب، فكلما يتكاثف التدريب يتحسن إنشاؤه، وتتقوى كتابته، لكن المشكلة الوحيدة التي يعانيها كل أستاذ، وكل معلم، بأنه ماذا عساه أن يفعل إن لم يكتب طالبا! فإنه على الأكثر يقوم بترغيبه، وتحرضيه، وتشجيعه، فإن فهم ذلك فله ذلك، وإلا فيصعب على الأستاذ أن يفعل أي شيء تجاه هذه المشكلة.

      ثم المعلم المسكين دائما يكون متفكرا في مستقبل طلابه، حيث كيف يمكنهم التقدم في الكتابة! وفي مواد أخرى! فيجرب عليهم عدة تجارب، التي مرت على ذلك المعلم، والتي تعين طالب علم في تقدمه في جميع المواد الدراسية، وتساعده في إنشاء مستقبله الزاهر.

      فأنا أيضا من حين إلى حين أحاول القيام بأمر نفعني في زمني، فأكلف الطلاب بالقيام به حتى يستفيدون منه، فمنذ عدة سنوات كلفت نفسي بكتابة موضوع من المواضيع باسم "يوميات"، فكل ما يدور في خاطري أكتبه، وأقيد أفكاري بالقلم في الكراسة، وأجعل الكراسة سجنا لأفكاري، ولم أتساهل في هذا مهما يكن الأمر.

      فإن لم أكتب يوما من الأيام فإن ذلك اليوم يكون دينا علي، حيث إنه يجب علي إكمال مقالات حسب العدد، فالأسبوع الواحد فيه سبعة أيام، فلا بد من كتابة مقالة حسب هذا العدد.

      ولقد كلفت طلابي بكتابة يوميات وبدأت أطالب منهم بلين ورفق كل يوم باسم "يوميات"، فالذي يكتب أشجعه أكثر فأكثر، والذي لم يكتب فأرغبه قليلا في شكل التنبيه، ولم أقصد من عملي هذا سوى الخير له.

      هذه هي المرحلة الأولى حيث إن كل طالب يكتب "يوميات" كل يوم، والمرحلة الثانية يجب على المعلم تصحيح تلك المقالة، ولكن ليس بمعنى أنه يأخذ كراسته، ثم يدققها فيما بعد بنفسه، بل ينبغي أن يقيم أحدا منهم أمام الجميع، وهو يقرأ بصوت جهوري حتى ينتهي الخوف والارتباك، وتتولد فيه جرأة التكلم والحديث. فإن كان هنالك خطأ يجب على المعلم إصلاحه في نفس الوقت، حتى يصطاد صيدين بحجر واحد، أي أن الجميع يدركون نفس الخطأ في وقت واحد، ثم لا يقعون فيه.

      فما إن أقمت اليوم طالبا لقراءة ما كتب هو من يوميات أمام الطلاب جميعا، حتى وأضحك الجميع، فإنه اليوم بدأ كلامه بخطأ لا يعقل، ولا يتصور، ثم ذلك الطالب لم يكن طالبا ابتدائيا، بل هو من الصفوف العليا، إلا أنه كان مبتدئا في مجال تعلم اللغة العربية، فلذا له حق أن يقع في مثل تلك الأخطاء.

      فقام الطالب وظل قراءة ما كتب قائلا: "أنا يكتب..." فأوقفته مباشرة في نفس المكان مطالبا: أعد قراءتك من البداية! فبدأ من جديد، لكن بنفس العبارة، وبنفس الحديث، وبنفس الخطأ. فقلت له: كيف تقول: أنا يكتب. أعني تستخدم ضميرا للمتكلم، والفعل للغائب. فتفكر قليلا، ثم قال لي: عفوا يا أستاذ، أخطأت، ثم تواصل في قراءته حتى أكمل ما هو كتب من يوميات.

      فينبغي للطالب قراءة ما يكتبه غير مرات، فإن رأى هنالك خطأ يغيره، ويصلحه، ويحاول أن يسمع زميله ما كتبه هو، لأن الخطأ الذي وقع فيه لا يقوى على رؤيته، ولكن غيره قادر على رؤيته وإدراكه، فلذا أقول: ينبغي لطالب علم أن يعرض ما كتب هو من يوميات على زميله، حتى عند ما يأتي أمام المعلم وأمام زملائه فلا يواجه مثل واجه ذلك الطالب الذي قال: أنا يكتب.

أ. د. خليل أحمد صالح


مجموع المواد : 288
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019