سلسلة رمضانية : الآلة التي تدمر الحياة الاجتماعية

          إنه شيء صغير، لكن أعماله كبيرة جدا، وكما أنه له منافع كثيرة، كذلك أضراره لا تقل عن المنافع، وهو من مخترعات زماننا نحن، وهو رخيص جدا، حيث إن كل واحد منا يملكه، ويستعمل كآلة التواصل بين الناس، فلا حاجة إلى سلك مربوط، وخفيف حتى يحمله كل واحد في جيبه، ولا يشعر بوجوده أي ثقل، بل في عدم وجوده تجده متثاقلا، وإنه يتنقل من تنقلك في كل مكان، فإن أنت في البيت هو أيضا في البيت، وإن أنت في السوق، هو أيضا في السوق، وإن أنت في المسجد هو معك في المسجد، حتى صار جزءا من حياة كل واحد، وكأنه قطعة لحم من جسده...

          وبإمكانك السير من خلاله إلى بلدان شتى، حيث إنك تستطيع حصول معرفة أي خبر، وأية حادثة وقعت في زاوية من زوايا الدنيا، وهذه العملية لا تستغرق وقتا طويلا، بل بدعس زر واحد يمكنك الوصول إلى ذلك الخبر، وإلى معرفة تلك الحادثة، مع الصور والتسجيلات المرئية، فمثل هذه الفوائد والمنافع تجعل الإنسان يضعه في جيبه كل وقت، وتجعله مشغولا فيه في أوقات فراغه، وفي بعض من الأحيان في أوقات عمله أيضا...

           لكن بعد تفكر عميق يصل كل واحد منا إلى نتيجة بأنه آلة اخترعت لتدمير حياة اجتماعية، حيث إن العلاقة بين الأب والأولاد كم كانت قوية، لكنه أضعفها، فالأب مشغول فيه والأولاد ينظرون إليه، فمهم أيضا يشتغلون فيه، وعلاقة الزوج والزوجة أيضا أصبحت ضعيفة، فإن كل واحد منهما مشغول باستعماله، وهما على فراش واحد، وفي بيت واحد، وفي غرفة واحدة، فإذا كان حال الجميع بوجوده هذا، فما عسانا أن نقول غير أنه آلة تدمير حياة اجتماعية، وإني أرى أن الجميع يقولون مثل ما قلته الآن....

          إنه الجوال، وسع علاقته البعيدة، ولكنه أضعف علاقته القريبة، وانتهى الاحترام بوجوده فيما بين الآباء والأمهات، وفيما بين الأولاد، فكل واحد لا يجد فرصة ليقوم عند قدوم أخيه إكراما له، وعند قدوم أخته إكراما لها، والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما كان ينظر فاطمة ـ رضي الله عنها ـ تدخل بيتا فكان يقوم من مكانه احتراما لها، وإكراما لها، فمثل هذه الأخلاق قد رحلت من بيوتنا بسبب وجود الجوال، فمنذ أن جاء الجوال في بيوتنا، رحل صوت تلاوة القرآن الكريم، ورحل الحديث الاجتماعي من بيننا، ولا سميا في شهر رمضان، فإنني شاهدت الكثير من الإخوة منشغلين في جولاتهم، ولا يمنحون فرصة للقرآن الكريم ليتلى، ويختم.... إذن إنه آلة تدمير لحياة اجتماعية...

أ. د. خليل أحمد صالح


مجموع المواد : 288
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019