سلسلة رمضانية: هل تألمت مثل ما تألمت اليوم بفراق أخيك!؟

          منذ ساعة وأنا متقلب على فراشي، ولا يطاوعني النوم، والسبب في ذلك تفكري في موضوع ما، فهو الذي أبعد النوم من أعيني، ومع ذلك أحاول النوم حتى آخذ قسطا من الراحة، لكن النوم أبى تماما، فأخذت جوالي لأرى فيه بأن الساعة كم تدقها، فاندهشت بأنها تشير إلى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، ولم يبق لدي سوى ربع ساعة، وذلك لأني مكلف في شهر رمضان، بمسئولية، وهي أكبر مسئولية من مسئوليات أخرى، وهي إيقاظ الأم لإعداد السحور، فقلت في نفسي: على حد علمي لا يمكنني النوم هذه الليلة، فنهضت تاركا فراشي، ذاهبا إلى الوضوء حتى أتوضأ، وأقوم بمسئوليتي، أعني أوقظ أمي الحبيبة، فمت بأدائها، ورجعت إلى تلاوة القرآن الكريم، وتلاوة القرآن الكريم في ليالي رمضان هي من عادتي، فأمي تبدأ بإعداد السحور، وأنا أبد بتلاوة القرآن الكريم، وننتهي معا...

          لكن المشكلة هي نفسها التي جعلتني متفكرا فيها، فهي نفسها التي جعلتي لا أرغب بتلاوة القرآن الكريم، فتفكرت طويلا، حتى قررت في النهاية بأني لو أكتب حول ما أتفكر، ينتهي تفكيري، وأنا سوف أكون مرتاحا، فأخذت حاسوبي المحمول، وجلست على السرير تقييد أفكاري بأصابعي، التي هي تدعس أزرارا خاصة في لوحة المفاتيح...

          الفكرة التي كنت أتفكر فيها هي أن أخي الأصغر اليوم يسافر إلى مدينة أخرى، وهي تبعد عنا حوالي ثلاث مائة كلوميتر، للدراسة، وهو أول مرة يخرج من البيت، فكنت حزينا بسبب المفارقة التي تقع فينا، وإن كانت هي مؤقتتا، وليست أبدية، فإنه الأخ الذي أحبه أكثر من الآخرين بسبب صغره، وهو أيضا يقوم بشؤون البيت كلها، ثم في ليالي رمضان أنا وهو والأخوان الآخران نجلس جميعا معا، ونتحدث في أمور شتى، فبعد ذهابه نحن الثلاثة نفتقده...

          ومن ناحية أخرى كنت متفكرا بأن الآباء ولا سيما الأمهات كيف يتحملون مثل هذا الفراق، والذي لا يكون إلا لعدة أيام، أو لعدة أشهر، ويكظمون أحزانهم، ويكتمون آلامهم في قلوبهم، والبسامة في وجوهم إلا أن قلوبهم تتمزق، والله ـ سبحانه وتعالى ـ هو الذي يعلم بأنهم كم يتألمون، لكن نحن في النهاية لا نقدر تلك الآلام، فبعد إكمال الدراسة ننساهم، ولا نلتفت إليهم بسبب هذه الدنيا التي لا قيمة لها، والتي بعد رحيلنا تصبح لغيرنا، وتصير في أيدي الآخرين...

          تصدقني أم لا تصدقني، لكن الوقت يجعلك تصدق كلامي هذا، وتتذكره حينما تكبر، وتكون بمنزلة الأب والأم، والأولاد يفعلون بكم كما فعلتم أنتم بآبائكم وأمهاتكم، فحينئذ تذكرون آبائكم وأمهاتكم، فلذا نصيحتي لأخي الأصغر بأنه يكمل دراسته، حتى يبلغ إلى منصب عالي، إلا أنني أرجوه رجاء كاملا بأنه دوما يتصل بالأب والأم، ولا ينسى ما قدماه إليه، فدون دعواتهم لا يمكنه التقدم لا في الدنيا ولا في الآخرة...

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019