سلسلة رمضانية: أول يوم من رمضان هذا العام

     لا شك أن الدنيا فانية، فكل من جاء إليها فهو لامحالة يفارقها، لكن المفارقة قد تترك فراغا يصعب ملء ذلك الفراغ، فكم من الناس كل عام يرحلون من هذه الدنيا، ويفارقونها، وهم أحب إلى قلوبنا نحن جميعا، فهذه السلسة غير متناهية، حيث إن البعض يفارقون الدنيا، والبعض يطؤون أقدامهم إلى هذه الدنيا...

     والزمن مستمر، حيث إن الساعات تدور بين أوساط الأيام، والأيام تدور بين أوساط الأسابيع، والأسابيع تمضي بين الشهور، والشهور تنقضي بين أوساط الأعوام والسنين، فنجد يوم الجمعة كل أسبوع، وشهر محرم وصفر وربيع الأول وغير ذلك من الأشهر الأخرى تتداول علينا جميعا كل عام، لكن المفارقين من هذه الدنيا لا نراهم كل عام....

     فها هو شهر رمضان، شهر القرآن، قد حل بنا من جديد، بدأت بركاتها على وجوه المستقبلين، فالجميع من الأصغر إلى الأكبر يجدون سرورا داخليا، فالمساجد تمتلئ من المصلين، وتسمع من داخلها أصوات القرآن الكريم، فالحفاظ يسمعون القرآن الكريم، ويكملونه في التراويح، فالمائدات مملوءة من الأطعمة المتنوعة عند الفطور والسحور، إلا أن هنالك بعض المائدات تنقص بعض الأحبة الذين كانوا جالسين عليها رمضان الماضي، ولكنهم ليسوا معنا في هذا الرمضان المبارك...

     فلما جلست على المائدة أول يوم من رمضان هذه العام عند السحور، فلاحظت أننا فقدنا هذا العام أهم عنصر أسرتنا، ألا وهي جدتي ـ رحمها الله ـ التي كانت تجلس على المائدة قبل الجميع، وتأمر النسوة بوضع الأواني على السفرة، وكل ما نحتاجه في الطعام، فكانت تلاحظ جميع ما يلزم السفرة والمائدة، فلم تترك أي واحد يبقي طعامه في الصحن، بل كانت تجبره على تناول كل ما أخذ من الطعام في صحنه، وتسأل كل واحد إن تناول قليلا من الطعام، لما ذا لم تتناول اليوم كثيرا، فهل أنت مريض أم أن لديك مشكلة؟ فها هي الأسئلة بقيت دون سائلها، وهذه كلها أصحبت خبر كان، وأصبحت من ذكرياتنا...

     فلما رجعت من التراويح فلم أجد واحدا ينتظرني، فالمصابيح منطفئة، والكلة منصوبة، والفرش مبسوطة، فلا أجد أحدا يكلمني، ولا أحد يتحدث معي، فذهبت أفكاري إلى رمضان الماضي، حيث إنها كانت تنتظرني، فما إن كنت أدخل البيت حتى كانت تأمر نسوة بيتنا بإعداد الشائ وتجهيزه، فكنت أطلب شيئا من المأكولات، فكنت أنا وهي نتناوله، ونشرب الشائ، ونتحدث إلى ساعة متأخرة، حيث إننا تقريبا كنا نقضي ليالي رمضان بأكملها في الحديث، فما أحلى حديثها! لكن في رمضان هذا العام لم أجد حديثا أحلى مثل حديثها...

     فلست أنا وحدي ما ذكرته، بل قصتي تشبه قصة كثير من الإخوة، فهنالك الكثيرون من أقربائنا كانوا معنا، لكنهم فارقونا هذا العام، فليس لدينا إلا أن نذكرهم في دعواتنا الخالصة، ونهتم بالموجودين من الأقرباء، ولا سيما الأب والأم والإخوة والأخوات وغير ذلك منهم.

أ. د. خليل أحمد صالح


مجموع المواد : 270
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019