في سبيل التذوق القرآني (١١) : التصوير الفني للحوادث والوقائع

يقول رائد التصوير الفني في القرآن سيد قطب الشهيد رحمه الله: 

"إن الصور القرآنية - التي مادتها الألفاظ - تبز وتتفوق على الصور الملونة التي يرسمها الرسّامون الفنّانون، والتي مادتها الريشة واللوحة والأصباغ، والصور الشاخصة التي تلتقطها عدسة المصور المتحركة، تتفوق على هذه الصور فنيا وجماليا، لأنها لا تغفل عن حركة أولون يمكن أن تأتي به هذه الصورة، ثم تزيد على هذا عندما تتيح للنفس متعة أشهى، بأن تدع للخيال عملا وهو يرسم الصور ويمحوها، ويصنع الحركات ويتبعها، ويرسم الظلال ويشدها، والنفس تجيش والوجدان ينفعل، والقلب يسرع في النبضات، تحت تأثير ماذا؟  تحت تأثير الكلمات".( التصوير الفني في القرآن|١٩٩)

لله در هذا الرجل القرآني الذي أدرك هذا الجانب من جمال وروعة القرآن الكريم، والذي هو أحد جوانب إعجاز القرآن الكريم، فلنأخذ أحد الآفاق الهامة للصور القرآنية، وهو التصوير الفني للحوادث والوقائع، وهو ملحوظ في كثير من الوقائع والأحداث التي يذكرها القرآن الكريم من غزوة أحد وبدر والأحزاب وحنين وما إلى ذلك، فلنذكر على سبيل المثال مشهد غزوة حنين، إذ يذكرها الله  - تبارك وتعالى - في محكم تنزيله:{لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ...ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ}(التوبة:26).
فإن معركة حنين بهذا النص معروضة في مشهد مصور شاخص متحرك، معروضة بمشاهدها المادية، وانفعالاتها الشعورية، وإن خيال القارئ ليصحب المؤمنين في سيرهم إلى الطائف، ويراهم هناك في وادي حنين، ويرى شريط الأحداث وهو يرتسم على ملامحهم، ويظهر في حركاتهم، فمن انفعال الإعجاب بالكثرة إلى هزيمة الزلزلة الروحية، إلى انفعال الضيق والحرج، حتى لكأن الأرض كلها تضيق بهم وتشتد عليهم، إلى هزيمة الحركة الحسية وتولية الأدبار والنكوص على الأعقاب، ثم يتابع خيال القارئ أحداث هذا الشريط المصور، ويرى سكينة الله وقد أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين معه، فثبّتت هؤلاء المؤمنين، وهدأت روعهم، ويرى جنود الله التي أنزلها في المعركة، ويرى لواء النصر يعقد للمؤمنين في نهايتها.(في ظلال القرآن| 1618/3)

 ومثل هذا الجمال الفني المؤثر في النفوس والمثير للعواطف والمشاعر لا يظهر على أحد إلا بالتمعن والتدبر في القرآن الكريم، رزقنا الله تعالى التوفيق لهذا ولكل مايحبه ويرضاه، وجعل آخرتنا خيرا من الأولى. 

 يوسف عبدالرحمن الخليلي
           ٢٢ رمضان ١٤٤١ ھ


يوسف عبد الرحمن الخليلي


مجموع المواد : 44
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020