في سبيل التذوق القرآني (٨) : التجسيم التحويلي في الصورة القرآنية

يقول الأديب العربي الكبير والداعية الإسلامي الشهير الأستاذ محمد سعيد رمضان البوطي (م ١٩٩٢) في ذكر أهمية التصوير الفني في القرآن:

إن لكل من المعنى واللفظ في القرآن شأنا آخر، فليست المعاني في القرآن مجردات اعتبارية لا يدركها إلا العقل، وإنما هي صورة حيّة تمرّ بخيال القارئ، ويلمسها إحساسه، وتكاد أن تراها عينه، وليست الألفاظ في القرآن تلك الحروف التي لا تدل إلّا على المعنى، بل هي ينبوع يفيض بالصور والأحاسيس والألوان(من روائع القرآن| ص، ١٦٨)

من هنا، فمن تلك الصور القرآنية البديعة ما تتضمن تجسيم المعنويات على وجه التصيير والتحويل...ولئن كان البلاغيون القدماء قد تعرضوا لذكر النوع الأول من التجسيم وهو التجسيم التمثيلي الذي سموه تشبيها وتمثيلا واستعارة فإن الفضل يعود إلى سيد قطب في اكتشاف هذا النوع من التجسيم، وهو أكثر صلة وأشد ارتباطا بفكرة التصوير القرآني بالنسبة للنوع الأول؛ فإن الأمر المعنوي المجرد صار هنا صورة حسية مجسمة، وتحول إلى هذه الصورة بالتخييل الحسي كما في قول الله عزوجل: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا}...حيث صار عمل الإنسان هنا صورة مجسمة ومادة محسوسة، فهو إذا كان خيرا يحضر وينتظره صاحبه، وإذا كان سوءا يحضر كذلك،  ولكن صاحبه يتمنى أن تفصله عنه الفواصل، حتى لا يراه أو يقترب منه. 
ولهذا النوع من التجسيم أنواع عدة، فقد يكون عن طريق تجسيم الحالات النفسية المعنوية كما في قوله تعالى: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ ۚ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ}...فالقلوب في هذه الصورة لها حركة، حركة محسوسة مجسمة، فهي تنتقل من أمكنتها المخصصة لها، وتفارق مواضعها المعهودة إلى أن تبلغ الحناجر، وتصل إليها، وهي لم تنتقل إلا من شدة الضيق والضجر. 
وقد يكون عن طريق تجسيم الحالات العقلية المعنوية كما ذكرت صورة الأغلال في قول الباري -جل وعلا-:{إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ}...فهذه الآية تبين أن أيديهم مشلولة بالأغلال إلى أعناقهم، موضوعة تحت أذقانهم، ومن ثم فإن رؤوسهم مرفوعة قسرا، لا يملكون أن ينظروا بها إلى الأمام، فبالتالي لايملكون حرية النظر والرؤية، وهم في هذا المشهد العنيف.   
وكذا من ألوان هذا النوع من التجسيم أن تذكر صورة الهيئة المجسمة بدل الوصف الحسي، وهو في قول الرحمن - تقدست أسماؤه -: {يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}…وهو مشهد رعيب مفزع،  فالعذاب يحيط بهم ويأتيهم من كل جانب، وهذه إحاطة وصفية حسية،ولكن التعبير عدل عنها إلى وصف مجسم غشيان العذاب من فوق ومن تحت الأرجل.

هذا، وإن القرآن بحر مشحون بالجواهر والدرر، وهي كامنة وراء ستار التدبر العميق، والتمعن المتواصل، فهل من غواص في هذا البحر؟ وهل من مكابد يسعى ليظفر بهذه الكنوز؟ وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. 

يوسف عبدالرحمن الخليلي
خواطر قرآنية/١٣ رمضان ١٤٤١ھ

يوسف عبد الرحمن الخليلي


مجموع المواد : 44
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020