كيف يمكننا اختيار عنوان البحث؟

       إن حرارة اليوم لم تكن عادية مثل الأيام الماضية، بل كانت أشد منها، حيث إن كل واحد يتصبب عرقا، وإن كانت المروحة مشتغلة، ولا أعلم أن هواء المروحة أين يذهب، وهل هو يسقط على كل من جالس حيالها، أم أنه يذهب مع الهواء في الفضاء، غير أن كل واحد ينشف وجهه بمنديل مرة بعد مرة.

       ومن ناحية أخرى كانت حرارة درس اليوم، حيث إن الإدارة تطلب من كل طالب اختيار الموضوع لبحثه، والذي يقدمه إليه في نهاية السنة ليكمل ما يجب عليه إكماله، حتى يستحق لحصول الشهادة، فكل واحد طأطأ رأسه، وكأنه فقد أثمن شيء في حياته، أو وكأنه أكبر تاجر، فتلقى خسارة عظيمة في تجارته، فأنا أيضا كنت متفكرا ما ذا حدث اليوم؟ لما مثل هذا الهدوء الكامل؟ ولما ذا لم يلتفت إلي أحدهم؟ هل حدث شيء لا أعلمه!؟ فمثل هذه الأسئلة بدأت تدور في دماغي، وأنا منهمك فيها، وكنت في محاولة أن أجد إجابة تلك الأسئلة، لكن باءت محاولاتي بفشل ذريع.

       فوجهتهم بقولي: ما ذا هنالك اليوم أيها الإخوة؟ هل أنتم مرضى أم أنكم تشعرون الحرارة؟! فقالو بصوت واحد: نعم، يا أستاذ، نشعر الحرارة، لكنها لم تكن مدوخة أدمغتنا إلى هذه الدرجة، وهنالك مشكلة أخرى لا نعلم ما ذا علينا تجاهها؟ فقلت لهم: فليتفضل أحدكم بإخباري عنها حتى سويا نتفكر، ومن الممكن نجد حلها، فقال أحدهم: ـ وهو مسئول عن الجماعة ـ يا أستاذ، كلفتنا الإدارة بكتابة البحث، ونحن جميعا مبتدئون في هذا المجال، حيث إننا لم نكتب عبارة واحدة فضلا عن كتابة الفقرة، فكيف يمكننا اختيار الموضوع، وكتابة البحث؟!

       فسؤاله لم يكن عشوائيا، بل كان معقولا، فطمأنتهم جميعا، بأن هذه المشكلة في الحقيقة لم تكن مشكلة، بل أنتم بنيتموها أكبر مشكلة. فاستغرب الجميع بكلامي، وانفتحت أفواههم، فواصلت كلامي حيث إن غرابتهم تنتهي في نهاية شوط كلامي.

 

       إن البحث يفتقر إلى بعض عناصر، وهي عنوان البحث، ومقدمته، والغرض والخاتمة، وأخيرا المصادر والمراجع. فلنأخذ اليوم أول عنصر من عناصر البحث حتى يسهل عليكم إدراك حل المشكلة حسب اعتقادكم، فأولا: هو عنوان البحث، وهو أهم عنصر من عناصر الموضوع، والذي هو يتعب الكاتب والباحث في بادئ الأمر، وذلك لأن عنوان البحث هو أساس يبني عليه الباحث بحثه، فإن كان العنوان قويا فالبناء عليه يكون قويا، أعني البحث، وإن كان العوان ضعيفا، وغامضا، فحينئذ لم يبن عليه بناء قوي، بل يكون ضعيفا.

       ما هي خطوات اختيار عنوان الموضوع؟ أولا: يحب على الباحث والكاتب البحث عن كافة المعلومات عن عنوان الموضوع الذي يريد اختياره. ثانيا: لا بد له أن يعلم أن ذلك العنوان لم يكن ضيقا، حتى لا يقوى على إكماله، ثم يواجه العديد من المشاكل خلال كتابة بحثه، فلذا لا يختار عنوانا ضيقا. وثالثا: ولا يختار عنوانا واسعا، حيث يصعب على الكاتب والباحث استيعابه، بل عليه أن يحدد شيئا من ذلك العنوان، حتى يتمكن الباحث من إكماله بسهولة. رابعا: وهو عنصر مهم في اخيار الموضوع، وهو لا بد أن يبحث الكاتب عن مصادره ومراجعه، فإن عثر على المصادر والمراجع التي تتعلق بعنوان ذلك الموضوع، فلا حرج فيما يختاره لبحثه، وإن لم يجد فلا يختاره حتى لا يعاني أية صعوبة فيما بعد.

       ثم قلت لهم: هل فهمتم أخواني؟ فأجابوا بصوت واحد، وبصوت جهوري: أجل يا أستاذ، فهمنا، والآن نذهب إلى المكتبة حتى نختار عناوين بحوثنا في ضوء خطواتكم التي بينتموها أمامنا، فرأيت الابتسامة في وجوهم، فسررت بأن الله ـ سبحانه وتعالى ـ وفقني لإعادة الابتسامة في وجوهم، وإدخال السعادة والسرور في قلوبهم، وتخفيف أحزانهم...

أ. د. خليل أحمد صالح


مجموع المواد : 275
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019