الطالب في النهاية يبقى طالبا مهما كبر!

إن كنت مقتنعا بفلسفة بأن طالب علم يصبح رزينا وفهيما مع كبر سنه، ويكون مواظبا على دروسه، فرأيك هذا قد يكون خاصا بك، ولا يمكنك أن تسلط رأيك هذا على من سواك، فإن كل واحد له حرية في اقتناء الرأي، فقد يكون رأيه يخالف رأيك، وقد يوافق رأيك، وقد يكون رأيه بين بين،

       وأنا لدي رأي خاص فيما ذكر حول طالب علم، ولدي حق على ذلك، فإن لدي أكبر باعث لتأييد رأيي، وهو العيش بين أوساط الطلاب، وأنا بنفسي في آن واحد معلم، وطالب، فإنني أعلم الطلاب، ومن ناحية أتعلم أيضا من الأساتذة، فأعلم ما يدور في أدمغة الطلاب، ومن عاداتهم وتقاليدهم التملص، والتخلص من الدراسة بطريقة وأخرى، فيحتالون حيلا عجيبة وغريبة فوق تصور المتصور، وفوق خيال المتخيل، وذلك لأن أدمغتهم مشحوذة، فتستقبل الأفكار التي لا يستطيع لرجل عادي الوصول إليها، فتجده يقدم عذرا صناعيا لأخذ الإجازة، ويتظاهر بأنه مريض، ومرضه لا يستمر إلا إلى نهاية الدوام، فما إن ينتهي الدوام ينتهي مرضه، ويشفى منه كامل الشفاء، ويكون على أهبة الاستعداد للقيام بالأعمال في وقت الدراسة، لكن لو كلف بعد نهاية الدراسة بالقيام بعمل ما، ولا سيما أوقات الإجازة، فإنك تجده منزعجا، ولا تراه نشيطا مثل يكون في وقت الدراسة...

       الأمر لم يتوقف هنالك، بل تجاوزه حيث يبحث عن سبب يخلصه من إكمال واجباته، فإن عثر على عذر لم يكن في الحقيقة عذر، فإنه يكبره حتى يقنع أستاذه، ومعلمه، ويتخلص مما يجب عليه إكماله من الواجبات، وعلميا شاهدت هذا الأمر مرارا، وتكرارا، وقد يشهد على ما قلته، ويؤيدني من يكون منسلكا في مجال الدراسة والتدريس...

       وبما أني أستاذ، ومعلم، فكلفت طلابي بأنهم يلقون خطبة حول أهمية الدعوة والتبليغ في الأسبوع يوما، وخصص ذلك اليوم هو يوم الأربعاء، فلما حان يوم الأربعاء بدأنا الخطابة، فكل طالب يأتي إلى المنصة، ويأخذ حظه من الخطبة، ويلقيها أمام الطلاب الآخرين، وبسبب ضيق الوقت لم يتمكن جميع الطلاب من إلقاء خطبة في نوباتهم، فقلت لهم: من بقي من الطلاب الذين لم يساهموا في إلقاء الخطبة سوف ينالون حظهم من الخطبة، ويقومون بإلقائها بعد العشاء...

       فبعد العشاء شغلني اشتغالي في عمل عنما قلت لطلاب، فبعد مضي ساعة واحدة تذكرت ما نسيته، فجمعت طلابي جميعا، وقلت من لم يلق خطبة  اليوم بعد الظهر بسبب ضيق الوقت، فليتفضل بإلقاء خطبة حسب اتفاقنا، فلما تفقدت الطلاب، فوجدت واحدا غائبا، فسألت الطلاب عنه، فقالوا لي: ذهب إلى دورات المياه، فسكت، وبدأت أستدعي واحدا تلو الآخر من الطلاب حتى انتهت دورهم جميعا، فلم يبق إلا ذلك المفقود، وطال الانتظار، ولم يحضر، فكلفت جميع الطلاب بالبحث عنه في أنحاء المدرسة، فقاموا جميعا باحثين عنه في المدرسة بأكملها، وبعد بحث طويل، وعبء شديد أخيرا ظفروا به، فجيء به أمامي، فسالته: أين كنت؟ لما ذا تخلفت عن إلقاء خطبة  رغم أني أخبرتك بعد الظهر؟ فقدم العذر حسب العادة قائلا: كنت أغسل المنديل، فلذا تأخرت، فقلت مباشرة في نفسي: الطالب في النهاية يبقى طالب علم، مهما كبر...

23-01-2020

أ. د. خليل أحمد صالح


مجموع المواد : 316
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020