ما بين مسلم اليوم والأمس

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد!

فإن المتأمل في حال المسلمين اليوم لا يجد أمامه إلا التحسر والتندم على ما وصلت إليه من الانحطاط والذل والضعف كالطير المقصوص جناحه، وإن كان هنالك أسباب وعوامل عديدة أدت إلى ذلكم، بيد أنه من أهم الأسباب التي يذكرها لنا مشايخنا هو "ابتعادهم عن دينهم"، وعدم التمسك بهدي السلف الصالح، ورحم الله الإمام مالك يومَ قال: "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها".

فما كان لأمتنا الإسلامية في الأزمان الغابرة من مجد وفخر وعز وتمكن لم يكن ليحصل لولا شدة تمسكها بدينها في شتى مجالات الحياة، ثم إذا أردنا نحن أن نستعيد ذلك المجد الغابر فعلينا أن نسير على خُطاهم، فلو قارنّا حالنا بحال السلف لرأينا العجب العجاب ولكان لسان حال المتأمل أين الدقيق من الركيك وأين الزلال من الزعاق؟! وليس ذلك إلا لما حصل بيننا وبينهم من بون شاسع في التزام الإسلام من خلال امتثال أوامره واجتناب نواهيه، وفي اتخاذه عقيدةً وعبادةً ومعاملةً وأخلاقًا وسلوكًا في الظاهر والباطن، وفي السر والعلن،  والتزام الإسلام بهذا المفهوم هو الذي كان سائدًا في سلف هذه الأمة انطلاقًا من الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه.

لذلك رأيت أن أنظر في حياة السلف الصالح في أهم جوانبها، كيف قضوا حياتهم في هذه الدنيا وما الذي كان يعينهم على التمسك بدينهم وكيف كانوا يمتثلون لكل أوامره وكيف كانوا يجتنبون كل نواهيه، وكل ذلك بصورة موجزة في مقال؛ ليكون أولا تذكرة لنفسي خاصة وللمسلمين عامة؛ فإن الإنسان في مثل هذا الزمن الذي يحدق به الفتن من كل حدب وصوب أحوج ما يكون إلى من يذكّره لدفع الغفلة والفتور عن نفسه: كما يعزز ذلك قول الله تعالى: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين}.

 ولقد اقتصرتُ في انتقاء أغلب الأمثلة والنماذج على من جاء بعد الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، لأن الإنسان قد يتقاصر أمامهم ويبرر له الشيطان تقاعسه بحجة أنهم قد شُرفوا بصحبة رسول الله صلى الله وسلم وعايشوا أجواء نزول الوحي، أما بالنسبة لمن بعدهم فلم يتيسر لهم ذلك، فإذا تأَمّل الإنسان في سيرهم عرف قدر نفسه عمله ويعطيه وكان دافعا نفسيا قويا للاجتهاد في اكتساب الحسنات وتجنب السيئات، كما قال بعض العلماء: "إذا ذكر الصالحون افتضحنا".

ولستُ أروم استقصاء جميع الأمثلة من حياة السلف، فإنه مرمى بعيد المنال ومطلب عسير الحصول؛ لعدم اتساع هذي الوريقات مع بضاعتي المزجاة؛ إنما أسعى لذكر بعض النماذج المشرقة المؤثرة التي قد تفيقنا من سباتنا ويحفزنا لإصلاح أنفسنا، مقسمةً إياها إلى أعمال القلوب وأعمال الجوارح باقتضاب دون استفاضةٍ، مع محاولة التعريج على بعض نماذج نساء السلف إلى جانب رجال السلف -رحمهم الله جميعا- حتى تتخذها بنات جلدتي نبراسا يشعل لهن الطريق المظلم المحفور بالفتن والمحن ويعينهن على الثبات والاستقامة مع كثرة تقلبات الدهر.

من أعمال القلوب:

استحضار المغيبات (الموت، الآخرة، الجنة والنار):

ومن أهم ما يميز أولئك الصالحين عنا، هو قوة إيمانهم بالغيبيات، وقوة استحضارهم للدار الآخرة، وللجنة وللنار، وإن كنا نحن كذلك نرى الآخرة الجنة والنار حقا، وربما قد يستهين أحدنا بشأن مثل هذا التذكير لكثرة ترداد ذكره على مسامعنا إلا أن شواغل الدنيا وملهياتها قد تصرف أذهاننا عن استحضارها في كل لحظة من لحظات حياتنا، بخلاف ما كان عندهم، فقد كان يتجلى قوة استحضارهم للمغيبات في كل مواقف من حياتهم سواء كانت في مواطن الحزن أو الفرح.

-قال الأصمعي: قيل لبعض الصالحين: كيف حالُك؟ قال: كيف حالُ من يَفْنَى ببقائه، ويَسْقَم بسلامَتِه، ويُؤتى من مَأمنه.

-وعن سفيان قال: كان عمر بن عبد العزيز يوما ساكتا وأصحابه يتحدثون، فقالوا له: مالك لا تتكلم يا أمير المؤمنين؟ قال: كنت مفكرا في أهل الجنة كيف يتزاورون فيها، وفي أهل النار كيف يصطرخون فيها، ثم بكى.

-وقدم ابن أخٍ لـ(عفيرة العابدة) من غيبة طويلة، فبُشرت به، فبكت فقيل لها: ما هذا البكاء؟ اليوم يوم فرح وسرور، فازدادت بكاءَ ثم قالت: والله، ما أجد للسرور في القلبي سكناً مع ذكر الآخرة، ولقد أذكرني قدومه يوم القدوم على الله، فمن بين مسرور ومثبور.

- وسمعت رابِعَة تَقول ما رَأيْت الثَّلج إلّا تذكرت تطاير الصُّحُف ولا رَأيْت الجَراد إلّا ذكرت الحَشْر ولا سَمِعت مُؤذنًا إلّا ذكرت مُنادِي يَوْم القِيامَة.

-كانت معاذة العدوية إذا جاء النهار قالت: هذا يومي الذي أموت فيه، فما تنام حتى تمسي وإذا جاء الليل قالت: هذه ليلتي التي أموت فيها فلا تنام حتى تصبح وإذا جاء البرد لبست الثياب الرقاق حتى يمنعها البرد من النوم.

الإخلاص:

لا يخفى على مسلم أهمية الإخلاص فإنه عليه مدار قبول عمل العبد ورده عند الله عزوجل؛ فقد كان السلف الصالح لشدة حرصهم على الإخلاص لربما  تورّعوا عن ادّعاءه إضافةً إلى حرصهم على إخفاء أعمالهم الصالحة من أنظار الناس بينما حالنا على نقيض ذلك تماما فقد نتمنى أن يظهر كل عملنا الصالح ويجري على ألسنة الناس ذكره إلى جانب ادعاءنا للإخلاص فلو سئل أحدنا لم تطلب العلم؟  لتبادر إلى الألسنة بسرعة فائقة: "لوجه الله" بخلاف سلفنا الصالح فإنهم كانوا يتورعون في ذلك لدقة إدراكهم لمعنى الإخلاص وأهميته. 

فهاكم مثالا ورد عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله بأنه سُئل: هل طلبتَ العلمَ لوجه الله؟ فقال: لله عزيز!!! ولكنه شيء حُبّب إليّ فطلبتُه.

-وجاء عن  هشام الدستوائي انه قال: "والله ما أستطيع أن أقول: إني ذهبت يوما أطلب الحديث أريد به وجه الله" وهذا الإمام هو من قال فيه شعبة: ما أقول لكم إن أحدًا طلب الحديث يريد وجه الله تعالى إلا هشامًا الدستوائي.

- كانت الوهطية أم الفضل تَقول احْذَرُوا ألا يكون شغلكم طلب راحات النُّفُوس وتوهمون أنكُمْ فِي طلب العلم وطالب العلم هُوَ العامِل بِهِ ولَيْسَ العَمَل بِالعلمِ كَثْرَة الصَّوْم والصَّدَقَة والصَّلاة وإنَّما العَمَل بِالعلمِ إخلاص العَمَل لله بِصِحَّة النِّيَّة ومراقبة نظر الله تَعالى إلَيْهِ إن لم يكن هُوَ ناظرا إلى ربه ومشاهدا لَهُ.

- وقال ابن عيينة: كان من دعاء المطرِّف بن عبد الله: اللهم إني أستغفرك مما زعمت أني أريد به وجهك، فخالط قلبي منه ما قد علمت.

الرجاء والخوف

إن الرجاء والخوف أمران متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، فالرجاء يستلزم الخوف والخشية تتضمن الرجاء لولاه لكانت قنوطا، وذكر بعض العلماء: "أنه لا يحسن أن تطرح نصوص الرجاء على الناس بتوسع في زماننا هذا، لأن عامة الناس غلب عليهم الرجاء وإذا تعاظم الرجاء في النفوس بعث على طول الأمل وسعته لذلك نجد كثير منهم يرتع في أودية المعصية غير مبال وإذا ذُكّر بالله نفر فهؤلاء بحاجة إلى التخويف بالله من عذابه ونقمته، وأما الرجاء إنما يُحدّثُ به أحد رجلين: رجل أسرف على نفسه ويكاد يقنط من رحمة الله ورجل غلبه جانب الخوف حتى تجاوز الحد الشرعي وأضر بنفسه وأهله" وكان السلف يغلبهم في الدنيا جناح الخوف وأما عند الخروج من الدنيا فكان جناح الرجاء هو الغالب، وبناء على ذلك انتقيتُ نماذج الخوف مع الإضراب عن ذكر أمثلة الرجاء. 

-قال سفيان الثوري أيضًا: ما أطاق أحد العبادة، ولا قوي عليها إلا بشدة الخوف.

-يقول ابن أبي مليكة وهو من التابعين كما في هذه الرواية التي ذكرها عنه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب الإيمان قال: (أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كلهم كان يخشى على نفسه النفاق، ولا يقول: (إن إيماني كإيمان جبرائيل وميكائيل) 

-وقال مريج بن مسروق: المخافة قبل الرجاء، فإن الله عزوجل خلق جنة ونارًا، فلن تخوضوا إلى الجنة حتى تمروا على النار.

-وقال سفيان: بلغنا أن أم الربيعِ بن خثيم كانت تنادي، فتقول: يا بنيّ، يا ربيع، ألا تنام، فيقول: يا أماه من جنّ عليه الليل وهو يخاف البيات حُق له أن لا ينام. قال: فلما بلغ ورأت ما يلقى من البكاء والسهر نادته فقالت: يا بني لعلك قتلت قتيلًا؟ فقال: نعم يا والدة، قتلت قتيلًا، فقالت: ومن هذا القتيل يا بني نتحمل على أهله فيُعْفوك، والله لو علموا ما تلقى من البكاء والسهر لقد رحموك، فيقول: يا والدتي هيَ نفسِي.

الورع:

وحكى الحسن من ورع عبد الله ابن المبارك أنه استعار قلما من رجل بالشام وحمله إلى خراسان ناسيا فلما وجده معه بها رجع إلى الشام حتى أعطاه لصاحبه.

-كان لبشر الحافي الزاهد المشهور أخوات ثلاث: وهي: (مُخة) و(مضغة)، و(زبدة)، وكلهن عابدات زاهدات مثله، وأشد ورعًا أيضًا، ذهبت إحداهن إلى الإمام أحمد فقالت: إني ربما طفئ السراج، وأنا أغزل على ضوء القمر، فهل علي عند البيع أن أُميز هذا من هذا؟ فقال: "إن كان بينهما فرق، فميزي للمشتري".

- أم الأسود بنت زيد العدوية كانَت معاذَة العدوية أرضعتها، قالَت أم الأسود قالَت لي معاذَة العدوية لا تفسدي رضاعي بِأكْل الحَرام فَإنِّي جهدت جهدي حِين أرْضَعتك ألا آكل إلّا حَلالا فاجتهدي بعد ذَلِك ألا تأكلي إلّا حَلالا لَعَلَّك توفقين لخدمة سيدك والرِّضا بِقَضائِهِ.

التواضع:

وقال أيوب بن المتوكل: كان الخليل بن أحمد إذا أفاد إنسانًا شيئًا، لم يُرِهِ بأنه أفاده، وإن استفاد من أحد شيئًا، أراه بأنه استفاد منه.قال الذهبي: صار طوائف في زماننا بالعكس. 

-وقال مطرِّف بن عبد الله: ما مدَحني أحد قطّ إلا تصاغرتْ إليّ نفْس

-وعن رجل قال: رأيتُ أثر الغَمِّ في وجه الإمام أحمد بن حنبل، وقد أثنى عليه شخص، وقيل له: جزاك الله عن الإسلام خيرًا، قال: بل جزى الله الإسلامَ عني خيرًا. من أنا وماَ أنا؟!

-وعن مخلد بن الحسين: ذكر أن العلاء بن زياد قال له رجل: رأيت كأنك في الجنة، فقال له: ويحك أما وجد الشيطان أحدًا يسخر به غيري وغيرك.

من أعمال الجوارح:

الاجتهاد في العبادة:

سُئِل حاتم الأصم عن صلاته، فقال: إذا حانت الصلاة، أسبغت الوضوء، وأتيت الموضع الذي أريد الصلاة فيه، فأقعد فيه حتى تجتمع جوارحي، ثم أقوام ‘لي صلاتي، وأجعل الكعبة بين حاجبي، والصراط تحت قدمي، والجنة عن يميني، والنار عن شمالي، وملك الموت ورائي، وأظنها آخر صلاتي، ثم أقوم يسن يدي الرجاء والخوف، أكبر تكبيراُ بتحقيق، وأقرأ بترتيل، وأركع وكوعًا بتواضع وأسجد سجودًا بتخشع، وأتبعها الإخلاص، ثم لا أدري أقبلت أم لا؟

-وكانت أم طلق رحمها الله تصلي في كل يوم وليلة أربع مائة ركعة، وتقرأ من القرآن ما شاء الله. 

-كانت حفصة بنت سيرين تقرأ نصف القرآن في كل ليلة وكانت تصوم الدهر كله وتفطر العيدين وأيام التشريق.

-وحدثني أبو الوليد، قال: ربما رأيت غضنة وعالية رحمهما الله تقوم إحداهما من الليل فتقرأ البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والنعام، والأعراف في ركعة.

كانت معاذة العدوية تصلي في كل يوم وليلة ستمائة ركعة وتقرأ جزءها من الليل تقوم به. وكانت تقول عجبت لعين تنام وقد عرفت طول الرقاد في ظلم القبور.

العمل بالعلم

كان السلف يحرصون على العمل كحرصهم على العلم، ولكن لم يكن التقصير في العمل داعيا إلى ترك طلب العلم والاستزادة منه؛ إنما يسعى المرء حسب مقدرته ويسدد ويقارب وأحسن ما ورد في هذا الباب هو عن سفيان الثوري:

-عن عبد الله بن المبارك، قال سئل سفيان الثوري: طلب العلم أحب إليك يا أبا عبد الله أو العمل؟ فقال: إنما يراد العلم للعمل، لا تدع طلب العلم للعمل، ولا تدع العمل لطلب العلم. 

-وقال عطاء بن السائب: رأيت مُرَّة الهمدانيّ كان يُصلِّي في اليوم والليلة ستَّ مئة. قال الذهبي: ما كان هذا الوليُّ يكاد يتفرغ لنشر العِلم، ولهذا لم تكثر روايتُه، وهل يُراد من العلم إلا ثَمَرتُه. 

التزام نساء السلف بالحجاب:

-وعن أم علقمة بنت أبي علقمة قالت: (رأيت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر دخلت على عائشة رضي الله عنها وعليها خمار رقيق يشف عن جبينها، فشقته عائشة عليها، وقالت: أما تعلمين ما أنزل الله في سورة النور؟! ثم دعت بخمار فكستها، وفي رواية الموطأ: (وكستها حمارًا كثيفًا)

-ولما كان العلامة الكاساني في حلب طلبت منه زوجته الفقيهة فاطمة بنت السمرقندي الرجوع إلى بلاده، فلما همَّ بذلك استدعاه الملك العادل نور الدين، وسأله أن يقيم بحلب فعرفه أنه لا يقدر على مخالفة زوجه، إذ هي بنت شيخه، فأرسل الملك إلى فاطمة خادمًا بحيث لا تحتجب منه، ويخاطبها عن الملك في ذلك، فلم تأذن للخادم، وأرسلت إلى زوجها تقول له: أبعدُ عهدُك بالفقه إلى هذا الحد؟ أما تعلم أنه لا يحل أن ينظر إليَّ هذا الخادم؟ وأي فرق بينه وبين الرجال في عدم جواز النظر؟ فأرسل إليها الملك امرأة لتكلمها في هذا.

-وعن عاصم الأحول قال: (كنا ندخل على حفصة بنت سيرين، وقد جعلت الجلباب هكذا، وتنقبت به، فنقول لها: رحمك الله، قال الله تعالى: ﴿ وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ﴾ هو الجلباب، قال: فتقول لنا: أي شيء بعد ذلك؟ فنقول: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ ﴾، تقول: هو إثبات الحجاب.

- وكان عند بعض القرشِّيين: امرأةٌ عربيّةٌ، ودَخَل عليها خصيٌّ لزوجها وهي واضعةٌ خِمارَها، فحلقتْ رأسَها وقالت: ما كان ليَصْحَبَنِي شعْرٌ نَظَر إليه غيرُ ذي مَحْرَمٍ.

وقد يعترض أحدهم على إيراد هذا النموذج بحجة أن فيه مبالغة إلا أن المقصود منه شد التفات الأخت المسلمة على مدى حرص نساء السلف الصالح على ما أمرن  به من حجاب ومقارنة ذلك  وبانجراف كثير من بنات جلدتنا وراء الدعوات الباطلة من الدعاة الضالة المضلة إلى إقصاء الحجاب وستر الوجه من الشريعة الإسلامية.

الإكثار من الذكر: يا لها من عبادة سهلة يسيرة! ويا لحسرتنا على التقصير بها!

* وعن سعيد بن عبد العزيز قال: قلت لمعروف بن هانئ: أرى لسانك لا يفتر من ذكر الله فكم تسبح في كل يوم؟ قال: مائتي ألف مرة إلا أن تخطئ الأصابع. 

* وقال سلام بن أبي مطيع: كان الربيع بن خثيم إذا أصبح قال: مرحبًا بملائكة الله، اكتبوا، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. 

* عن ابن أبي رواد قال كان عندنا امرأة بمكة تسبح كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة فأتت فلما بلغت القبر اختلست من أيدي الرجال رحمها الله.

ترك الفضول من القول والفعل

-وعن أبي حيان التيمي عن أبيه قال: "رأيت ابنة الربيع بن خثيم أتته فقالت: يا أبتاه! أذهب ألعب؟ فقال: يا بنيتي! اذهبي قولي خيرًا."

 فتأمل رعاك الله ما بلغ بهم الحال في الحرص على اجتناب الفضول، إنه قد خشي أن تكتب في صحيفته كلمة (اذهبي فالعبي)، فاستعاض عنها بقوله (اذهبي قولي خيرًا).

-وعن جرير بن حازم قال: ذكر ابن سيرين رجلًا فقال: ذاك الرجل الأسود -يريد أن يعرفه بصفة يمتاز بها- ثم قال: أستغفر الله؛ ما أراني إلا قد اغتبته.

- وكان الربيع بن خيثم إذا أصبح وضع دواة وقرطاسًا وقلمًا، فكل ما تكلم به كتبه، ثم يحاسب نفسه عند المساء. وقلتُ: من جرّب مثل صنيع الربيع رحمه الله، سيلمس لذلك أثرا في إعانته على ترك الفضول لا محالة.

- معاذَة بنت عبد الله العدوية، وكانَت من أقْران رابِعَة كانَت تأنس بها ولم ترفع بصرها إلى السَّماء أرْبَعِينَ سنة.

-مكي البصري قال: حدثتني سوادة السلمية قالت: كانت أم حيان تقرأ القرآن في كل يوم وليلة، وكانت لا تتكلم إلا بعد العصر فإنها تأمر بالحاجة والشيء تريده.

التحلي بحسن الخلق

-قال الإمام أحمد  عن زوجته عباسة بنت الفضل -رحمها الله-، أم ولده صالح، أقامت معي أم صالح ثلاثين سنة، فما اختلفت أنا وهي في كلمة. ثم ماتت -رحمها الله-.

-وعن بلال بن سعد  قال: كانوا يشتدون بين الأغراض، ويضحك بعضهم إلى بعض، فإذا جاء الليل كانوا رهبانا. 

-وقالَت أمة الحميد قلت لأبي سعيد الخراز أوصني فَقالَ لي راقبي الله تَعالى فِي سرك واتبعي أوامره على ظاهرك واجتهدي فِي قَضاء حوائج المُسلمين والقِيام بخدمتهم تصلي بذلك إلى مقام الأبْرار إن شاءَ الله

-مُؤمنَة بنت بهْلُول كانت من العارفات الكبار وسئلت من أيْن اسْتَفَدْت هَذِه الأحْوال قالَت من اتِّباع أمر الله على سنة رَسُول الله ﷺ وتعظيم حُقُوق المُسلمين والقِيام بِخِدْمَة الأبْرار الصّالِحين

-وهنا أريد أن ألفت انتباه أختي الفاضلة، فإذا كان يظهر من سير هؤلاء الصالحات سعيهنّ في قضاء حوائج عامة المسلمين كما ترد في حث ذلك نصوص تعد ولا تحصى، فكيف بمن يربطك به صلة القرابة أبوةً كانت أو مصاهرة كانت، أمثال إخواننا الأشقاء أو أمهات الأزواج (حيث يكون الناس بين مد وجزر فيها) أليسوا هم أولى بحسن خلقنا بالقيام بخدمتهم وقضاء حوائجهم فيكون لنا أجرا مضاعفا أجر نفع المسلم وأجر صلة القرابة؟!

أكتفي بذكر هذا القدر من النماذج ومن أراد الاستزادة فليراجع مظانها في الكتب، ومن  رأى في بعض الأمثلة شيئا من المبالغة فأقتبس له تعليقا لطيفا للإمام ابن عطية على حكاية أحدهم قد بالغ في تحقيق جانب الخوف بإدخال أصبعه في أذن قدح الماء متفكرا طوال الليل إلى الفجر: "وخَيْرُ الأمور أوساطها، وليس علماء الأمَّة الذين هم الحُجَّة على هذا المنهاج، وقراءةُ علْمِ كتابِ اللَّه ومَعانِي سُنَّة رسُوله لِمَن يفهم ويرجى نَفْعُه أفضَلُ من هذا" -وأمعن النظر فيما قاله بعد ذلك- "لكنْ يَحْسُنُ ألاَّ تخلُوَ البلاد مِن مثل هذا." وأقول ربما يرفع الله البلاء عن البلاد ونقمته منا بمثل هؤلاء.

 أسأل الله أن يعينني وإياكم على الاقتداء بهدي أولئك الأعلام الذين كانوا مفخرة للأمة ولا يجعل حظي من هذه النماذج المباركة جمعها وإعدادها دون المجاهدة في التأسي بها. والله ولي التوفيق.

 

إعداد : الفقيرة إلى الله، عِمرانة بنت نعمة الله.

 صبيحةَ فجر الحادي والعشرين من شهر رمضان المبارك سنة ألفٍ وأربعمئة واثنتين وأربعين للهجرة. 21/9/1442هـ

_______

المراجع والمصادر للنماذج المنقولة:

سير أعلام النبلاء للذهبي.

طبقات الصوفية للسلمي. (نسخة موقع تراث)

صفة الصفوة لابن الجوزي.

موسوعة ابن أبي الدنيا.

حياة السلف بين القول والفعل لأحمد الطيار.

أعمال القلوب للشيخ خالد السبت.

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم الأصبهاني.

تعظيم العلم للشيخ صالح العصيمي.

شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2021

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2021