وداعا يا أستاذي المكرم!

العبارة التي كتبتها هي مجموعة من عدة كلمات، والتي تختفي في طيها معنى حزن، وألم، وهي لا ينطقها لسان إلا إذا كان  هنالك فراق، فالفراق قد يكون لساعات، وقد يكون للأيام، وقد يطول أكثر فأكثر، فيكون لشهر، ولعدة أشهر، فمثل هذا الفراق قد يحزن الفارق والمفروق، لكن قد يكون الفراق أبديا ظاهرا، حيث إن اللقاء بعد الفراق يندر وجوده لعدة أسباب...

        ولقد جرت السنة بين أوساط الناس بأن الناس يستخدون كلمة وداع حسب حضارتهم، وثقافتهم، وفي لغاتهم، والمعنى يكون واحدا، وهو الوداع، ثم مثل هذه العبارة لا يظن القاري مجرد عبارة، بل هي عبارة تجبر أعينا تسيل منها الدموع، ولكن الفارق أو المفروق يخفيانها، وهي كثيرة الاستخدام والاستعمال، حيث يستعملها صغير وكبير، طالب وأستاذ، أب وابن، وهلم جرا...

        ثم ذلك الألم المتولد من الفراق قد يكون بسبب مفارقة مكان ما، وقد يكون بسبب مفارقة الأساتذة والزملاء، وقد يكون بسبب مفارقة الأسرة، والإنسان مهما يكون قويا غير أنه ضعيف أمام هذه العبارة، وإن قيل: كيف تقول هذا الكلام، وقد ثبت من التجربة أن البعض لا يتأثرون من هذه العبارة؟ فإنني أقول لهم: لا، مستحيل أن لا يتأثر ناطق هذه العبارة، غير أنه قد لا يظهر أثرها على وجهها، وهيئتها، ويخفيه وراء ابتسامته، وهو قادر على ذلك أمام الجمهور، لكن عند ما ينفرد، فيبكي، ويسيل الدموع...

        وفي مقابله يكون الإنسان ضعيفا، فما إن ينطق بههذه العبارة تجده باكيا بدموع، ومبكيا الآخرين، فما حدث اليوم أبكاني، وكدت أن أبكي أمامه، لكني تمالكت نفسي، وسيطرت عليها، وأخفيت دموعي وراء ابتسامتي متظاهرا أمامه بأني رجل قوي، ولم أتأثر من هذه العبارة، وذلك لأني كنت أعلم أن الذي ودعته اليوم ربما لا أقابله في حياتي، وهو مكث عندنا كضيف، وليس ضيفا عاديا كما يظن البعض، بل هو ضيف الرحمن وضيف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي كان يستحق أن يكرم، والذي فارق البيت والأسرة لحصول رضى الله ـ سبحانه وتعالى ـ فكيف لا يكون ضيفا مكرما، وقد قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : "من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة".

        نعم، إنه طالب علم، الذي يتعب نفسه طوال نهاره في سبيل حصول العلم الشرعي، ويقوم أمام الله ـ عز وجل ـ ليلا ليتضرع، ويرضيه، فليله ونهاره سواء، فلم يجد فرصة في حياته مثل يجدها عامة الناس، فإذا أكمل دراسته يدخل في مرحلة جديدة، نهايتها عند آخر نفسه في هذه الدنيا، وهي مرحلة عرض خدماته في شعب الدين، كتدريس، والدعوة والتبليغ، والإمامة، وغيره من أمور الدين...

        فهنيئا له، وطوبى له بأنه وقف حياته لله ـ سبحانه وتعالى ـ ولرسوله، ولدينه، فالله ـ سبحانه وتعالى ـ يعوضه في الدنيا والآخرة، فمثل هذا الطالب لو فارق ناطقا بكلمات الوداع، ويقول: " وداعا يا أستاذي الكريم" فحينئذ المنظر يكون عجيبا وغريبا، فالأستاذ يودعه ظاهرا إلا أنه يكون متألما من داخله، فلما كنت طالبا سمعت من أساتذتي الكبار ـ الذين لهم مكانة عالية في مجتمعنا نحن ـ قائلين: يا طلابي، ما ذا تظنون بنا؟ هل تظنون بنا بأننا نكون سعداء لفراقكم!؟ كلا وحاشا! إننا نحزن بفراقكم أكثر من فراقنا عن أبنائنا، لأنكم عشتم معنا، وكأننا أسرة واحدة...

        فما كنت أعلم قدر كلماتهم آنذاك، لكني أقول اليوم: إنها حقيقة بينها أساتذتنا، والتي أشعرها اليوم، فلما ودعني اليوم ذلك الطالب، فحزنت في البداية، ولكني سليت نفسي بأنه يذهب ليخدم الدين في قريته وفي مدينته، فربما يذكرنا نحن أيضا كأساتذة في دعائه، وإن لم نتلقي في هذه الدنيا، ولكن ملتقانا يوم القيامة يقين، فأسأل الله ـ تبارك وتعالى ـ أن يوفقني لخدم الدين، ولخدمة ضيوفه، وطلبة العلم، وأن لا يحرمني من خدمتهم إلى آخر نفس أتنفسها في هذه الدنيا الفانية...

أ. د. خليل أحمد صالح


مجموع المواد : 316
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020