إن كانت بداية اليوم سيئة، فنهايته تكون أسوء!

        قد يكون مر بك مثل هذا العنوان، إلا أنه يناسب ما سأكتبه الآن، وليكن على علم الجميع إنه ما ذكرته في عنوان الموضوع لم يكن دليلا على أنه هو اعتقادي، ومذهبي، فإني أعتقد بأن كل أمر يحدث لا يخلو من خير، إلا اللهم العبد لايعلمه، فلذا يحكم على ظاهره، فيقول أشياء فأشياء لا تمت بصلة الحقيقة.

       ومن ناحية أخرى هذه أيضا حقيقة بأن اليوم الكامل موقوف على بدايته، فإن كانت بدايته جيدة، فنهايته تكون أحسن، وإن كانت بدايته سيئة فنهايته قد تكون أسوء، وليس الضروري أن تكون أسوء، وذلك لأن سيئة اليوم أمر نسبي، حيث النسبة تختلف عن كل واحد، فمثلا: ما حدث اليوم هو سيء بالنسبة لي، ولكن قد لا يكون سيئا بالنسبة لك، أو بالعكس، بأنه ما يحدث معك قد يكون سيئا بالنسبة لك، ولكنه قد لا يكون سيئا بالنسبة لي.

       إذن ما أذكره هو  بالنسبة لي، وفي صبيحة اليوم تفكرت بأنني اليوم أخرج مبكرا بالذهاب إلى الجامعة، فقمت بإعداد الحقيقة، وأخذت مفتاح الدراجة، ونزلت إلى موقف الدراجات، فلم أنظر إلى إطارات الدراجات، فجلست وركلت ذرع تشغيل بركلة واحدة، فإنها اشتغلت، فلم أنتظر لحظة حتى وضعتها على الناقل الأول، فانطلقت.

       لم أشعر شيئا في البداية بأنه حدث شيء، وفما إن قطعت مسافة قليلة، حتى وبدأت الدراجة تميل يمينا وشمالا، كالسكران، فلم أنتبه أيضا، لكن بعد قليل قلت في نفسي: لا بد من فحص الدراجة، فأوقفتها إلى جانب الطريق، ونزت منها، وبدأت فحصها، لكن ما هذا!

       إن الإطار الخلفي خال من الهواء! فبدأت المفروضات في دماغي، هل الإطار الخلفي منفش، أم أن الهواء قد خرج منه؟ أيهما وقع لكن لا سبيل سوى الذهاب إلى المصلح. والمشكلة الوحيدة أن الوقت كان مبكرا، وهو السابعة والنصف، وفي مثل هذا الوقت الدكاكين عادة تكون مغلقة. فركبت عليها، وبدأت قيادتها بالهدوء حتى أوصلها سالمة إلى المصلح.

       فمررت بدكان واحد، كان مغلقا، فتقدمت حتى رأيت الدكان الثاني للمصلح، فإن أحدا يفتح الدكان، ويخرج أدوات الإصلاح إلى الرصيف، فذهبت بدراجتي هنالك، وقلت له: انظر في أمرها، هي منفشة أم أن صميم الإطار الخلفي تعطل، أم أن الهواء خرج!

       فذلك الأخ لم يقل لي شيئا بلسانه، لكنه هز رأسه أفقيا، والذي هو عبارة من كلمة نعم، بمعنى أنه يقول: نعم، أنا أنظر. فجاء بالأدوات، وبدأ يفتح الإطار الخلفي، وأنا جلست على الكرسي منتظرا لإصلاح الدارجة، حتى أصل إلى الجامعة قبل الموقد المقرر.

       بعد مضي عشر دقائق رأيت ذلك الولد لا يزال في محاولة فتح الإطار الخلفي، وخلال نظراتي إليه لاحظت بأنه ينظر إلى الإطار الخلفي نظرة واحدة، ثم ينظر إلي نظرة واحدة. ونظراته كانت تقول شيئا، فقمت من الكراسي، واقتربت منه قائلا: ما ذا حدث! فقال لي: إن الإطار الخلفي لا يفتح، ولا أفهم لما ذا لا يفتح!؟

       فقلت له: إذن ما هو الحل؟ فقال: انتظر إلى أن يأتي أستاذي، فهو يستطيع فتحها، فسألته: متى يحضر؟ فقال لي: لا أعرف بالضبط، إلا أنه يأتي عادة مبكرا. فجلست مرة أخرى على الكرسي منتظرا لأستاذه، وبدأ الوقت يمر سريعا، حتى دقت الساعة تمام التاسعة.

       فرأيت أستاذه قد حضر، فأخبره بان الإطار الخلفي لهذه الدراجة لا يفتح، فأستاذه ابتسم، ثم أخذ أدوات فتح الإطارات، وبدأ يفتحه، فانفتح، وأنا أخرجت جوالي من جيبي حتى أطلع مسئولنا بأني متأخر اليوم حوالي ساعة، بسبب عطل في الدراجة، فأخبرته.

       وبعد عشرين أصبحت الدراجة جاهزة، فإن الإطار الخلفي كان منفشا بمسمار، فغير المطاطي في داخله، وأصلح، ثم دفعت الأجرة إليه، وشغلت دراجتي، وبدأت السفر من جديد إلى أن وصلت إلى الجامعة بخير عافية.

       فجلست على الكرسي في المكتب، وبدأت بإنجاز مهمات، والوقت يمضي، وبما أن اليوم كان يوم الجمعة، فعادة أنا أخرج مبكرا حتى أدرك صلاة الجمعة، لكن اليوم كان العمل في مكان آخر، فما كنت أستطيع من الخروج مبكرا، ومن ناحية كنت خائفا من نزول المطر، حيث إنه ينزل يوميا من أربعة أيام، وفي وقت الظهيرة.

       فأنجزت ذلك العمل، فذهبت إلى المسجد الذي هو تجاه الجامعة لأداء صلاة الجمعة، فما إن دخلت بدأ المطر ينزل شيئا فشيئا، فأديت صلاة الجمعة، والمطر صار غزيرا، فالناس كانوا منتظرين لوقوف المطر حتى يتمكنوا من الخروج من المسجد، ومن الذهاب إلى أعمالهم.

       فأنا أيضا كنت معهم، فبعد حوالي ساعة قل المطر، فخرجت مسرعا إلى الجامعة، لكن ما هذا! الطريق الذي بين المسجد والجامعة كان مليئا من الماء، وكأنه نهر جار، فرأيت السيارات تمر من هذا الماء والدراجات، لكن بعض الدراجات انطفأت في وسط الطريق، والسيارات أيضا، فرفعت ثيابي حتى لا يبلل، فدخلت الماء حتى أعبر الطريق، وأدخل الجامعة.

       والماء كان كثيرا، فتبلل ثيابي، ودخلت الجامعة، فتفكرت ما ذا علي! هل أذهب بالدراجة إلى المدرسة، أم أني أستأجر عربة!؟ فأخيرا قررت أني أذهب إلى المدرسة على الدراجة، فأخرجت دراجتي متوكلا على الله ـ سبحانه وتعالى ـ ودخلت الماء، ولكن وازنت بين دواسة البنزين حتى لا تنطفئ.

       وأثناء العودة الطريق كان مزدحما، والماء في كل مكان، ورأيت أكثر السيارات منطفءة في وسط الطريق، والماء كان بهذه الكثرة، وأنا أيضا كنت محتاطا في قيادة الدارجة حتى لا تنطفئ، والحمد الله أخيرا وصلت إلى المدرسة، فقلت: إن بداية يومي هذا كانت سيئة، فصارت نهايته أيضا أسوء.

أ. د. خليل أحمد صالح


مجموع المواد : 275
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019