أخيرا أصبح جو اليوم منعشا!

        الصباح عادة يكون مشرقا، والهواء هابة، والغيوم منقشعة, والمدارس مفتوحة، والطرق مزدحمة، وسير المرور سائر، وأصوات كاتم الدراجات مرتفعة، وأصوات بوقها مزعجة أشد إزعاجا، وكل واحد يستعد للعمل، فطالب يحمل حقيبة كتبه الدراسية على ظهره، والأب يحمل مفتاح السيارة ليذهب إلى مكتبه، والأخ ينظف دراجته، ويسخنها حتى يسير إلى الجامعة، والأم بدأت تهتم بشؤون البيت، حيث أولا تقوم بإعداد الفطور، ثم تقدمه على أولادها، وعلى زوجها، وبعد ذهابهم تحمل الأواني للغسل، ووضعها في دولاب الأواني...

      فكل واحد مطمئن بأن جو اليوم لا بأس به، ولا يرى أية علامة تشير إلى نزول المطر. فلذا لم يحمل أي واحد منهم مظلة المطر، ولم يتفكر في أي احتياط، ولا في أي فكرة أخرى، فالصغير لم يتفكر بأن المطر لو ينزل فماذا يحدث مع كتبه! فهي تتبلل أم لا!. والأب لم يتدبر بأن المطر لو جاء فما ذا يحدث بسيارته! فإنها تتصدأ، لأن ماء المطر بالنسبة إلى الحديد كالنار للحطب. والأخ لم يذهب خياله إلى جانب جو ممطر، فلم يحمل أية فكرة معه حول دراجته، وذلك لأن الدراجة هي مركبة خطيرة في أيام المطر، بسبب عرضتها للانزلاق. والأم لم تتفكر من ناحية نزول المطر، بأن المياه تدخل البيت، وتملأ رواق البيت، وتتسخ أرضيتها، فلم تأخذ أي تدبير احتياطي.

      والسبب في ذلك أن كل واحد مطمئن، فكل واحد خرج من البيت متوجها إلى ما يجب عليه عمله، فالأب قد وصل بخير، وعافية إلى مكتبه، والأخ بعد تعب شديد لكثرة زحمة المرور قد وصل إلى جامعته، إلا أن الحصة الأولى من الدوام الصباحي قد فاتته، فلذا عوقب بالقيام عند عتبة باب الصف، والعرق يتقاطر من جبينته. والولد الصغير أيضا وصل إلى المدرسة مسرعا، لأن مدرسته قريبة من البيت، فلا يستغرق وصوله إليها إلا عشر دقائق. والأم بدأت غسل الأواني وتنسيقها، حتى فرغت من عملها الشاق في الأخير، ثم جلست على الأريكة حاملة جريدة اليوم، لتطالع ما ذا يجري هذه الأيام في هذا البلد!.

      ومضت أربع ساعات، فبدأ الجو يتغير شيئا فشيئا، وظلت الغيوم تتراكم بعضها على بعض، وظلت تغطي سماء مدينة شيئا فشيءا، وحل الظلام، وكل واحد يشغل مصباحه الكهربائي، فالأب أوقد مصباح مكتبه، والأخ حين يرى ظلاما في صفه، فأوقد المصباح، والولد الصغير لم يكن بحاجة إلى إيقاد المصباح، لأنه صغير، والأم أيضا أوقدت المصباح لترى جيدا في الجريدة.

      ولم يتوقع أي واحد بنزول المطر، لأن هذا الأمر عادي في هذه المدينة، فلذا لم يتفكر أي واحد في العودة إلى البيت، بل كل واحد أشغل نفسه في عمله، فالأب مشغول في إنجاز أكبر مهمة في مكتبه، والأخ يكتب في سجله ما يملي عليه أستاذه، وما يكتبه على السبورة، والولد الصغير ينظر إلى المعلمة نظرة، ثم ينظر من النافذة إلى خارج الصف حائرا! ما ذا يجري هنالك! لماذا حل الظلام والنهار موجود! وأين اختفت الشمس، وضوؤها موجود. والأم مستغرقة في مطالعة الجريدة.

      ولما اشتد الظلام بدأ كل واحد يشك في نزول المطر، بل يتيقن بنزوله، فالأب بدأ يعيد الأوراق إلى أرشيفاتها، والأخ يضع الكتب في حقيبته، ويستعد للعودة إلى البيت، والولد الصغير في انتظار جرس المدرسة، فما إن يسمع رنين الجرس يخرج من المدرسة متوجها إلى البيت، والأم بدأت طرحت جريدته على الطاولة، وأنزلت الثياب والبدلات التي هي مشرورة على الحبل.

      فبدأ قطرات المطر تسقط على زجاجات النوافذ، وعلى الأرض، فخرج الأب مسرعا إلى السيارة، وشغلها وبدأ سفره إلى البيت، والأخ ينتظر ليتوقف المطر قليلا، حتى يتمكن من الوصول إلى مكان دراجته، ثم يذهب إلى البيت، والولد الصغير قد سمع رنين الجرس معلنا، بأنه حان وقت الإجازة، وآن وقت الانصراف إلى البيوت، فخرج من الصف متوجها إلى البيت، والأم قد أنزلت الثياب من الحبل، وتتفكر في زوجها، وولديها، وبدأت إعداد الغداء لتقدمه إلى زوجها وإلى أولادها على الوقت المقرر.

      بدأ المطر يتكاثف شيئا، فشيئا، وبدأت الطرق تمتلئ من الماء، وتكثر زحمة السيارات على الشوارع والطرق، فالأب بكر في الخروج من مكتبه إلا أنه تورط في الطريق لكثرة الزحمة، وذلك لأن حركة سير المرور أصبحت بطيئة لأجل كثافة الأمطار، والأخ يركل ذراع التشغيل واحدا تلو الآخر، لكنها لم تشتغل، فهو متصبب عرقا، فيخرج شمعة دارجه، وينشفها بنفخاته، والولد الصغير خرج من المدرسة مهرولا إلى البيت، لكن حقيبته بللت، والأم تتردد بين المطبخ وبين باب البيت منتظرا لعودة ولدها الصغير والكبير وزوجها.

      فأخيرا بعد تعب شديد وصل الأب إلى البيت، فما إن دخل البيت سأل زوجته عن وصول أولاده، فأثناء هذا السؤال دق الباب، وذلك كان ابنه الصغير الذي رجع من المدرسة، وبقي واحد وهو ولده الكبير، فبدأت الأم تقلق عليه، حتى سمع صوت بوق دراجته، فاطمأنت، ثم دخل البيت، وبدأت الأم تعد السفرة للغداء، والمطر توقف قليلا، ثم بعد تناولهم الغداء لما خرج الأب والابن من البيت رأى بأن المطر انتهى، والغيوم انقشعت، والمياه ذهبت إلى مجاريها، والطرق صارت نظيفة وفارغة الماء، والشمس عادت مشرقة كما كانت صباحا، لكن الجو أخيرا أصبح منعشا.

أ. د. خليل أحمد صالح


مجموع المواد : 275
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019