يا ليتني كنتُ أقوم بهذه المهمة في حياتهما!

إن الإنسان ما دام على قيد الحياة فإن حياته مليئة من الأعمال والأشغال، فمن الصباح إلى المساء، ومن المساء إلى الصباح هو مشغول في عمل ما، حتى ينسى نفسه، حيث إنه لا يبالي بصحته، ولا بطعامه، ولا براحته، حتى النوم، فإنه يقلله من ثماني ساعات إلى ساعة أو ساعتين، وحياته مستمرة على هذا المنوال إلى آخر نفسه من حياته...

وليس الجميع سواء، بل هنالك إخوتنا الكثر الذين قد نظموا حياتهم بتوزيع الأعمال على أوقاتهم، فإنهم عينوا جزء من الوقت للعمل، وجزء آخر للاستراحة، والجزء الثالث للأسرة الكاملة، فمثل هؤلاء حياتهم ناجحة، حيث يقضون حاجاتهم دون أن يدروا شيئا من التعب...

إلا أن الدنيا شيء عجيب، حيث تجعل الإنسان نفسه وأقربائه، وزملائه، وأساتذته، حتى ينسى الإنسان لأجله ما هو أقرب إليه من حيث القرابة، وليست القرابة فحسب، بل له علاقة معه علاقة خاصة، فمن حافظ على تلك العلاقة وقواها فإنه ناجح في دنياه وفي آخرته، وهي علاقة مع الأب والأم، فإنهما حبيبان إلى الجميع بعد حب الله ورسوله ـ صلى  الله عليه وسلم ـ، لكن معظم الإخوة لا يقدرون تلك العلاقة، ولا يحافظون عليها، بل وأقول: لا يلتفتون إليها، فإن تصرفهم هذا يخلفهم في الدنيا، ويخلفهم في الآخرة، ثم لا مجال لهم للترقي فيهما...

      ياليتني كنت قادرا على شرح تلك العلاقة، لكني  أرى فوق طاقتي، لأن شرحها بسيط، وطويل، فيحتاج إلى دفاتر تسود بالأقلام، فالكاتبون ـ جزاهم الله خيرا ـ قد كتبوا حولها في الجزئيات، وأنا أيضا مسكت جزء واحدا منها وهو أن من مقتضى تلك العلاقة لا بد أن يذكر كل إنسان في دعواته الخاصة أبويه، ولا ينساهما، بل يخصص لإنجاز هذه المهمة وقتا خاصا من الأوقات...

      لكن للأسف هذا ما ينقصنا جميعا، فإننا قد أشغلنا أنفسنا في أعمال الدنيا، وتركنا وراء ظهورنا رامين تلك العلاقة، حتى لا نقوى على القيام بإحيائها، وحسب اعتقادي إن هذا الأمر أعني نسيان الأبوين في الدعوات الخاصة يدخل في زمرة العصيان، وإن لم يكن عصيانا كاملا، لكنه جزء منه، فلا بد أن كل واحد منا يحتاط في هذا الأمر، ويدعو لأبوين كل ما يكون لهما فيه خيران، خير الدنيا وخير الآخرة، ثم ترى كيف تكون حياتنا جميلة وسعيدة ببركتهما، وإذا تكاسل أحدنا اليوم منتظرا أنه سوف... سوف... سوف يبدأ ويقوم بهذا العمل، ويقدم قائمة مملوءة من الأعذار على عدم وجود فراغ للقيام بهذه المهمة، فإنه أخيرا يضطر بعد رحيل الأبوين أن يقول: يا ليتني كنت أقوم بهذه المهمة في حياتهما!

أ. د. خليل أحمد صالح


مجموع المواد : 283
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019