الغازي علم الدين الشهيد: ماذا حدث قبل مائة عام في مثل هذا اليوم؟

     إن أسوء يوم في تاريخنا هو يوم الواحد والثلاثين من اكتوبر عام ألفين وثمانية عشر للميلاد، حيث أن المحكمة العليا قد أصدرت قرار إطلاق سراح المرأة التي أساءت إلى حبيبنا ونبينا ـ عليه الصلاة والسلام ـ والتي أقرت غير مرات بالإساءة إليه ـ عليه الصلاة والسلام ـ وزد على ذلك أنها المحاكم الأخرى قد اتخذت قرار إعدامها في جريمتها إلا أن المحكمة العليا في بلد الإسلام والمسلمين والتي كتب على جدارها الأمامي آية قرآنية غير أن قراراتها الصادرة من داخلها تخالف القرآن والشريعة، قد ألغت قرارا صادرا من المحاكم الأخرى ضد تلك المرأة قائلة: إن الأدلة التي تثبت تلك الجريمة الكبرى ليست كافية، فلذا قررت ببراءتها، فسر عالم الكفار حتى بدأ التهانئ يرد من تلك البلدان إلى رئيس بلدنا ورئيس الوزراء ولا سيما لقاضي القضاة...

     للأسف  الشديد أن القاضي لم يكن منهم بل كان مسلما، فلا أفهم  كيف سوغت له نفسه أن تأخذ مثل هذا القرار وتجرح مشاعر المسلمين كلهم، إضافة إلى أن القرار الأول الذي صدر من المحاكم الأخرى يوجد فيه توقيعه، فإن كان ذاك القرار خطأ وهذا صحيح فلماذا أخطأ أول مرة وإن كان ذاك صحيحا وهذا خطأ فما الذي دعاه وأجبره أن يلغي ذاك القرار....

     ثم من مكائدهم ومكائد أعدائنا و أعداء المسلمين أنهم اختاروا اليوم الذي كان محفوظا في صفحات تاريخ الإسلام والمسلمين باسم الغازي الشهيد علم الدين الذي قد ضحى نفسه لأجل حب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيث أنه شنق بالإعدام في قتل من أساء إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مثل هذا التاريخ  قبل مائة عام...

     ولد الغازي علم الدين الرابع من دسمبر عام 1908م في بيت "طالع مند" (هذا اسم أبيه) وكان مهنته النجار، فدرس بعض العلوم الابتدائية في مسجد حيه ثم اشتغل في عمل النجار الذي كان يعتبر مهنة أسرته...

     فمرة من المرات كان عائدا إلى البيت بعد نهاية العمل رأى جما غفيرا من الناس في مكان وأحدهم يعظهم ويخاطبهم بأن الذي أساء إلى نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ يجب قتله، لكن موعظته كانت بالأردية فالغازي علم الدين الشهيد لم يفهم كلامه حيث أنه لم يدرس إلى هذه الدرجة، فسأل الناس ما ذا يقول هذا الواعظ، فالناس قد أخبروه بأن هناك أحدا اسمه "راج بال" قد ألف كتابا في إساء نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ (اسم الكتاب رنگیلے رسول) ـ العياذ بالله ـ فسجل المسلمون قضية ضده في المحكمة إلا أن المحكمة لم تأخذ أي قرار ضده، فلذا اجتمع المسلمون وبدأت المظاهرات في كل مكان....

     ففهم كلامه ثم جاء الخطيب الآخر حيث أنه كان يعظ الناس بالبنجابية، فبدأ الغازي علم الشهيد يفهم كلامه، وقال الخطيب: إن الذي أساء إلى حبيبنا ـ صلى الله عليه وسلم ـ يجب قتله، فهذه الجملة (يجب قتل من أساء إلى حبيبنا صلى الله عليه وسلم ) قد ترسخت في دماغ الغازي علم الدين الشهيد واستقرت، ثم انصرف إلى البيت والجملة تتكرر في دماغه...

فلما وصل إلى البيت سأله أبوه لما ذا تأخرت اليوم في المجيء؟ فقال له: إنني رأيت في العودة جما غفيرا في الطريق فسمعت موعظة الخطيب الذي كان يقول فيها: إن من أساء إلى حبيبنا ـ صلى الله عليه وسلم ـ يجب قتله، فيا أبي هل هذا صحيح؟

     فقال أبوه: نعم، يا بني جزاء من أساء إلى الحبيب المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ قتله، فصمت وعاد إلى فراشه دون أن ينطق كلمة واحدة، وذلك لأنه كان متفكرا فيما سمع من ذاك الخطيب، فلما نام رأى في المنام أحدا يخاطبه : يا علم الدين، أنت إلى الآن نائم، قم واقتل ذاك الذي أساء إلى حبيبنا ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقام مباشرة من فراشه وخرج من بيته إلى بيت صديقه الذي كان يدعى "شيدا" فأخبره بما رآه في المنام، فهو أيضا اندهش لأنه هو أيضا رآه نفس المنام وفي نفس الوقت، فقال له: يا علم الدين، بما أنني رأيت نفس المنام أولا، فأنا الذي أنفذ هذه العملية، لكن علم الدين قد أنكر بأنه لا يمكن أن يتخلف..

     فقال له زميله "شيدا": إذن نحن نقرع، فإذا خرج اسمك فأنت تنفذها وإن خرج اسمي فأنا الذي أنفذها، فرضي الغازي علم الدين الشهيد ووافق برأي زميله، فلما قرع خرج اسم الغازي علم الدين فحزن "شيدا" وقال له: أريد القرعة مرة أخرى، فقال الغازي علم الدين الشهيد: تفضل بالمرة الثانية، فقرع مرة أخرى لكن النتيجة هي نفسها، فهذه المرة أيضا خرج اسمه ثم التمس منه "شيدا"  القرعة آخر مرة، ، فرضي الغازي علم الدين فهذه المرة أيضا خرج اسم الغازي علم الدين...

    ثم انصرف إلى البيت، فكان يريد فرصة تنفيذ هذه العملية، فمرة صباحا استيقظ وقال لزوجة أخيه: هل لديك مبلغ كذا وكذا فهي قالت: نعم، لكنك ما ذا تريد؟ لأنه أول مرة في حياته طلب منها. فقال لها: لدي عمل، فأعطته مبلغا ثم ذهب إلى أمه وجلس معها وتحدث معها ثم انصرف متوجها إلى حانوت الخناجر والسكاكين، وقال لصاحب الحانوت: أريد سكينا جيدا، فأعطاه وأخذ منه مبلغه ثم التاسع والعشرين من أبريل 1929الميلادي توجه إلى مكتب ذاك الذي المسيء، ولكنه لم يعرفه معرفة فلما وصل سأل أحد الإخوة: أين مكتب راج بال؟ فأجاب: إنه أمامك، لكنه لم يحضر إلى الآن، تفضل معي، عند ما يحضر سوف تعرف، لأنه بعد وصوله إلى مكتبه يأتي هنا شرطة للحفاظ عليه، فجلس معه وبدأ الحديث معه في مواضيع مختلفة....

     ففجأة وقفت السيارة أمام ذاك المكتب، ونزل منها رجل، وتوجه إلى ذاك المكتب، فالذي كان جالسا بجنب الغازي علم الدين قال للغازي علم الدين: إنه هو راج بال الذي كنت تبحث عنه...

      فذهب ودخل عليه في مكتبه، ووجد فرصة قتله فطعن فيه من سبعة إلى تسعة طعنة خنجر، فسقط على الأرض ومات،  فهذا خرج من مكتبه فلم يهرب حتى مسكه بعض الناس، فجاءت الشرطة وأخذته إلى مخفر الشرطة، وسجلت ضده قضية في المحكمة حيث أخيرا قررت المحكمة الثاني والعشرين من مايو   بشنقه إعداما...

     ثم الواحد وثلاثون من أكتوبر 1929م يوم الخميس جيء به إلى خشبة الشنق وشنق بالإعدام فالذين شاهدوا هذا المنظر كانوا يقولون: إنه لم يتحرك بأية حركة عن شنقه، وكأنه قبض روحه قبل أن ينشق... الله أكبر....

     بعد استشهاده أخفت حكومة انجليز جثته حيث أنها دفنتها في مكان مجهول، ولم تكن الحكومة راضية في تفويض جثته إلى ورثاءه، فذهب طائفة من المسلمين إلى حاكم بنجاب وفاوضته حتى أخيرا استلم المسلمون جثته...

      وكان أكبر جنازة له في التاريخ حتى بلغ عدد المشاركين فيها ست مائة ألف، و على رأس أولئك الذين تولوا ترتيبات وتنسيقات دفنه حضرة مولانا ظفر علي خان والعلامة محمد إقبال والسيد ديدار علي شاه ـرحمهم الله رحمة واسعةـ فصلى عليه صلاة الجنازة أولا قاري شمس الدين ـ رحمه الله تعالى ـ وثانيا صلى عليه مولانا ديدار علي شاه ـ رحمه الله تعالى ـ والذي أنزله في قبره هو العلامة محمد إقبال ومولانا ديدار علي شاه ـ رحمهما الله رحمة واسعةـ

دفن في مقبرة تدعى (مياني قبرستان) التي تقع في لاهور على جنب شارع اسمه بهاولبور، فكثير من الناس يزورون قبره...

          فعلى حد علمي أعداء الإسلام والمسلمين يحاولون قصارى جهودهم في محو ما قدمه الغازي علم الدين الشهيد، فلذا اختاروا هذا اليوم ببراءة تلك المرأة من جريمتها، حتى ينسى الناس الغازي علم الدين الشهيد ويتذكرون تلك المرأة، لكنها نسيت الحكومة بأنها تواجه الشعب الباكستاني والشعب المسلم والذين قلوبهم مملتئة من حب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ...

     فما إن سمع الشعب الباكستاني ذاك الخبر السيء خرجوا  كلهم إلى الطرق والشوارع رافضين ذاك القرار الذي أصدرته المحكمة الكبرى، فتوقف المرور في كل مكان وأغلقت الحوانيت والدكاكين، وأغلقت المدارس والجامعات وتعطلت مباشرة...

     ولا يزال الشعب خارجين من بيوتهم وباتين على الطرق والشوارع مطالبين من الحكومة والمحكمة العليا أنها تتراجع عن قرارها وتتنازل عن حكمها إلا أن الحكومة والمحكمة لا تزال على قرارها، فلا أدري إلى متى تكون هذه المظاهرات وهل تتراجع المحكمة العليا عن قرارها أم لا؟ لكنني حقيقة لن أنسى  هذا  اليوم في حياتي...

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2018