متى ولد رسول الله ﷺ؟ تحقيق في تاريخ المولد الشريف

متى ولد رسول الله ﷺ؟

حامدًا ومصلِّـيًا ومسلِّمًا. أما بعد: فهذه رسالة مختصرة في تحقيق يوم ولادة النبي ﷺ، وتاريخها وشهرها وسنتها، حملني على ذلك اختلاف الآراء في تعيين مولد النبي ﷺ.

اليوم الذي ولد فيه:

لقد وقع الإجماع على أن رسول الله ﷺ ولد يوم الاثنين.. وأخرج مسلم (2/819) عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ - في حديث طويل - قال: وسئل عن صوم يوم الاثنين؟ قال ﷺ: «ذاك يوم ‌ولدت ‌فيه، ويومٌ بعثت - أو أنزل علي فيه -». اهـ.

العام الذي ولد فيه:

أصحُّ الروايات في هذا الباب أن رسول الله ﷺ ولد عام الفيل، وهو المشهور عند الجمهور، قاله ابن كثير، وهو الذي لا يشك فيه أحد من العلماء، قاله إبراهيم بن المنذر شيخ البخاري، ونقل خليفة بن خياط وابن الجزار وابن دحية وابن الجوزي وابن القيم في ذلك الإجماع، قاله الشامي في «سبل الهدى والرشاد» (1/334).

وأخرج الترمذي (5/589) عن قيس بن مخرمة رضي الله عنه قال: ولدت أنا ورسول الله ﷺ عام الفيل. قال – أي قيس بن مخرمة -: وسأل عثمان بن عفان قباث بن أشيم أخا بني يعمر بن ليث: أنت أكبر أم رسول الله ﷺ؟ فقال: رسول الله ﷺ أكبر مني وأنا أقدم منه في الميلاد.. ورأيت خذق الفيل أخضر محيلًا. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.

وأخرج ابن حبان في «السيرة النبوية وأخبار الخلفاء» (1/33) والذهبي في »سير أعلام النبلاء« (1/ 147) بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما والبيهقي في »دلائل النبوة« (1/78) عن محمد بن جبير بن مطعم أن النبي ﷺ ولد عام الفيل«. وقال الذهبي: صحيح(1).

الشهر الذي ولد فيه:

ذهب جمهور العلماء إلى أن رسول الله ﷺ ولد في شهر ربيع الأول(2).. قال ابن الجوزي في «صفة الصفوة» (1/22): «اتفقوا على أن رسول الله ﷺ ولد يوم الاثنين في شهر ربيع الأول ‌عام ‌الفيل». اهـ.

التاريخ الذي ولد فيه:

قال ابن الجوزي في «صفة الصفوة» (1/22): «واختلفوا فيما مضى من ذلك الشهر – أي شهر ربيع الأول - لولادته على أربعة أقوال؛ أحدها: أنه ولد ليلتين خلتا منه، والثاني: لثمان خلون منه، والثالث: لعشر خلون منه، والرابع: لاثنتي عشرة خلت منه». اهـ.

قال النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» (1/ 23): «واتفقوا على أنه ولد يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، واختلفوا.. هل هو في اليوم الثاني أم الثامن أم العاشر أم الثاني عشر، فهذه أربعة أقوال مشهورة». اهـ.

فعُلمَ مما سبق أن الأقوال الباقية مبنية على الحدس والحساب لا على النقول الصحيحة، فقد ذكر الشامي في «سبل الهدى والرشاد» (1/334) أقوالًا أخرى؛ منها: أنه ولد ﷺ لسبع عشرة، وقيل: لثماني عشرة. اهـ. وكلاهما منقولان عن بعض الشيعة، وهما مخالفان للنصوص.

أذكر هنا أسماء القائلين بذلك القول، مع ذكر أدلتهم.

القول الأول:

أنه ﷺ ولد في الثاني من ربيع الأول؛ نقله الواقدي عن أبي معشر نجيح السندي (ت: 170هـ) - كما في «الطبقات الكبرى» (1/81)  -، واعتمده المزي في »تهذيب الكمال« (1/185) والذهبي في »تذهيب التهذيب« (1/116)، لكن نقل الذهبي عن السندي في «سير أعلام النبلاء» (1/36) أنه قال: «ولد لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول». اهـ.

ويمكن أن يستدل له بأحد أمرين:

الأمر الأول: أخرج الفاكهي في «أخبار مكة» (3/384) عن ابن عباس ﭭ، قال: ‌ولد ‌رسول ‌الله ﷺ يوم الاثنين في أول شهر ربيع الأول، وأنزلت عليه السورة يوم الاثنين في أول شهر ربيع الأول، ودخل المدينة يوم الاثنين في أول شهر ربيع الأول، وقبض ﷺ يوم الاثنين في أول شهر ربيع الأول».

الأمر الثاني: وذكر الفلكي محمد بن موسى الخوارزمي - كما نقل عنه ابن عبد البر في «الاستيعاب» (1/31) - أن غرة محرم ذلك العام يوم الجمعة. اهـ. وبناءً على ذلك لو فرضنا أن المحرم وصفر كليهما ناقصين، فيوافق يوم الاثنين ثاني ربيع الأول.. وهذا يحتاج إلى دليل.

القول الثاني:

أنه ﷺ ولد في الثامن من ربيع الأول؛ وذهب إلى هذا كثيرٌ من المتأخرين، ومستندهم في ذلك ثلاثة أمور:

الأمر الأول: أن هذا منقول عن ابن عباس وجبير بن مطعم، وهما من أعرف الناس بالسير والأخبار؛ بالإضافة إلى متابعة جماعة من علماء الأندلس؛ كابن حزم (ت: 456هـ) في «جوامع السيرة» (ص: 7) وابن عبد البرِّ (ت: 463هـ) في «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» (1/31) وابن دحية الكلبي (ت: 633هـ) قاله الحلبي في «السيرة الحلبية» (1/84)، وبالغ، فقال: وهو الذي لا يصحُّ غيره، وعليه أجمع أهل التاريخ، ونقل الشهاب القسطلَّاني في «المواهب اللدنية» (1/ 85) عن القطب القسطلَّاني، قال: «وهو اختيار أكثر أهل الحديث، ونقل عن ابن عباس وجبير بن مطعم، وهو اختيار أكثر من له معرفة بهذا الشأن، واختاره الحميدي، وشيخه ابن حزم.

قال الراقم: ويريد بأهل الحديث.. أهل الحديث من الأندلس الذين تبعوا ابن عبد البر.. ولا نعرف أحدًا من المشارقة قال هذا القول قبله؛ إلا أن يكون المطهر بن طاهر المقدسي (ت: 355هـ) في »البدء والتاريخ« (4/132)، ولم أجد بعد طول البحث ما يبرر ذلك عن أحد من الصحابة؛ لا عن ابن عباس ولا جبير بن مطعم.

والمنقول عن ابن عباس ﭭ خلاف ذلك، وأما ما نسب إلى جبير بن مطعم فلم أجده بعد طول بحثي، ولم أجد أحدًا ذكره قبل القسطلاني، وربَّما مستنده في ذلك ما قاله في  «المواهب اللدنية» (1/ 85)

وإنما ذكر أهل السير أنه منقول عن ابنه.. فزاد القسطلاني أنه أخذ هذا العلم عن أبيه، وكأنه يوهم أن هذا القول أصله من جبير بن مطعم رضي الله عنه، ولم أجده بعد طول بحثي مرويًا عن محمد بن جبير أيضًا.. ولذلك لم ينسب الذهبي هذا القول إلى المذكورين في كتبه.

الأمر الثاني: قالوا اتفق على هذا أهل الزيج والفلك والتاريخ كما قاله القسطلاني في المصدر السابق، حيث قال: »وحكى القضاعي في «عيون المعارف» إجماع أهل الزيج - زائچہ – عليه«.

الأمر الثالث: ذكروا أن التقويم الهجري يقتضي ولادته في التاريخ المذكور، فقد نقل ابن عبد البر في «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» (1/31) عن العالم الطبيعي – سائنس دان – والمؤرِّخ الفلكي أبو عبد الله محمد بن موسى الخوارزمي(3) المتوفى بعد (232هـ)، أنه قال: »‌كان ‌قدوم ‌الفيل ‌مكة ‌وأصحابه ‌لثلاث ‌عشرة ‌ليلة خلت –  والصواب: بقيت - من المحرم يوم الأحد، وكان أول المحرم تلك السنة يوم الجمعة، وولد رسول الله ﷺ بعد ذلك بخمسين يومًا، يوم الاثنين لثمان خلت من ربيع الأول، وذلك يوم عشرين من نيسان». اهـ باختصار.

قال الراقم: وكلام الخوارزمي هذا – مع أنه من أهل الزيج والفلكيات - لا يستند إلى نقل من المؤرخين؛ بل هو يعتمد في ذلك على من سبقه من أهل الزيج والفلك، فقد نقل ابن قنفذ (ت: 810هـ) في »وسيلة الإسلام بالنبي عليه الصلاة والسلام« (ص: 44) عن الخوارزمي، قال: «رأيت رواية بخط أبي ياس البغدادي أنه ولد بأول الحوت في أول الساعة التاسعة من ليلة الاثنين الثامن من شهر ربيع الأول عام الفيل بأول النور والزهرة في وسطه بالحمل والقمر بالوسط بالأسد وبهرام بأول السرطان والعلويات على المقاربة بأول العقرب تاسع الحوت«. اهـ.

ثم قال ابن قنفذ: قال الإمام أبو عبد الله الأوسي، وقد اختبرته فوجدته صحيحا». اهـ.

قال الراقم: وتلخَّص من هذا ثلاث نتائج؛ الأولى: أنه منقول من ابن عباس وجبير بن مطعم، ولم يثبت عنهما، كما اعتمده كثير من علماء أندلس. الثانية: ذهب إليه عامة أهل الزيج والفلك المتقدمين. الثالثة: أول من ذكر هذا القول هو الخوارزمي بناءً على حساب من سبقه من الفلكيين. الرابعة: أنه ﷺ ولد في العشرين من نيسان.

هذا، وقال محمد بن عفيفي الباجوري المعروف بالخضري بك في كتابه «نور اليقين في سيرة سيد المرسلين» (ص: 9): «وقد حقق المرحوم محمود باشا ‌الفلكي أن ذلك كان صبيحة يوم الاثنين تاسع ربيع الأول الموافق لليوم العشرين من أبريل سنة 571 من الميلاد، وهو يوافق السنة الأولى من حادثة الفيل»، وقد تابعه غير واحد من مؤلفي السيرة النبوية منهم صفي الرحمن المباركفوري.

القول الثالث:

أنه ﷺ ولد اليوم العاشر من ربيع الأول، وليس لهذا القول دليل مستند إلا ما أخرج ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (1/80) وغيره عن الإمام السيد أبي جعفر محمد بن علي الباقر، قال: »ولد رسول الله ﷺ يوم الاثنين لعشر ليال خلون من شهر ربيع الأول، وكان قدوم أصحاب الفيل قبل ذلك للنصف من المحرم. فبين الفيل وبين مولد رسول الله ﷺ خمس وخمسون ليلة«. اهـ.

ونقل الإمام الذهبي في »سير أعلام النبلاء« (سيرة 1/ 36) عن شيخه الحافظ الدمياطي، أنه قال: »والصحيح قول أبي جعفر، ويقال: إنه ولد في العشرين من نيسان». اهـ.

القول الرابع:

أنه ﷺ ولد يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول، وهذا قول جمهور العلماء، ويعتمدون عليه لعدة أسباب:

السبب الأول: أن هذا منقول بسند صحيح عن رجلين من الصحابة؛ وهما: عبد الله بن عباس القرشي وجابر بن عبد الله الأنصاريﭫ، فقد قال الإمام ابن كثير في »السيرة النبوية«  (1/199) و»البداية والنهاية« (3/374): «ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن عفان، عن سعيد بن ميناء، عن جابر وابن عباس رضي الله عنهم أنهما قالا: ‌ولد رسول الله ﷺ عام الفيل يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ‌ربيع ‌الأول... «. اهـ.

ثم قال ابن كثير: »وهذا هو المشهور عند الجمهور والله أعلم».

قال الراقم: وقد بحثت عنه في »المصنف« فلم أجده؛ غير أن الإمام ابن كثير تكفل لنا بذكر سنده الصحيح؛ فجعلنا نطمئنُّ عليه، وعلم به أن ما سبق من قول ابن عباس ﭭ أنه ﷺ ولد في أول شهر ربيع الأول مرده إلى النصف الأول منه، وعلم به أن المنقول عنه الثاني عشر من ربيع الأول لا الثامن.

السبب الثاني: أخرج ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (3/66) وابن الصواف – كما في «الثاني من أجزاء ابن الصواف» (ص: 50) عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه – بسند فيه كلام – أنه قال: «حمل برسول الله ﷺ في عاشوراء المحرم، وولد يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان». اهـ.

ونقل ابن عبد البر في «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» (1/ 30) عن الزبير بن بكار (ت: 256هـ)، قال: ‌»حملت ‌به ‌أمه ﷺ في ‌أيام ‌التشريق في شعب أبي طالب عند الجمرة الوسطى، وولد ﷺ بمكة في الدار التي كانت تدعى لمحمد بن يوسف أخي الحجاج، وذلك يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان». اهـ.

وهذا القول وإن كان مخالفًا لقول الجمهور أنه ولد في ربيع الأول؛ غير أنه يستأنس منه ما نحن بصدده أنه ﷺ ولد في التاريخ الثاني عشر.. ثم إن القول بأنه ولد في رمضان هو صحيح أيضًا باعتبار التسمية، وإن كان القول بأنه ولد في ربيع الأول هو الموافق للواقع.

وذلك بأن العرب في الجاهلية كانوا يوافقون بشهورهم القمرية الشهور الشمسية؛ وذلك بزيادة شهر النسيئة كل ثلاث سنين؛ لأن الفرق بين السنة القمرية والسنة الشمسية أحد عشر يومًا تقريبًا؛ وقد استدار الزمان كهيئته يوم عرفة (9/12/10هـ)، وأبطل الله النسيئة بقوله: {إنما النسيء زيادة في الكفر}.

فإذا كان جمادى الأولى وجمادى الأخرى يدلان – بالاتفاق – على شدة البرد؛ وهما شهرا: كانون الأول (ديسمبر) وكانون الثاني (يناير)، فرجب المرجب يوافق - لا محالة – شباط (فبراير)، وشعبان المعظم يطابق – بالطبع – آذار (مارس)، فعلم منه أن رمضان المبارك يساوي - في التقويم الشمسي القمري – نيسان (أبريل)، وسيأتي أن رسول الله ﷺ ولد في نيسان.

السبب الثالث: أخرج ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (1/80) - كما سبق - عن الإمام السيد أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين الباقر، قال: »ولد رسول الله ﷺ يوم الاثنين لعشر ليال خلون من شهر ربيع الأول، وكان قدوم أصحاب الفيل قبل ذلك للنصف من المحرم. فبين الفيل وبين مولد رسول الله ﷺ خمس وخمسون ليلة«.

ولا اختلاف بين المؤرخين أن وقعة الفيل كانت يوم الأحد، وقد قال محمد بن علي ابن حديدة (ت: 783هـ) في «المصباح المضي» (1/ 24): «وكان قدوم الفيل في نصف المحرم وهلك أصحابه يوم الأحد». اهـ.

وإذا اعتمدنا قول الخوارزمي السابق من أن غرة محرم الحرام كان يوم الجمعة، فيوافق يوم الأحد السابع عشر؛ فيتم خمس وخمسون ليلةً (55-13- 30=12) في الثاني عشر من ربيع الأول، وذلك؛ إذا فرضنا المحرم وصفر تامين، ومع هذا يوافق العاشر يوم الخميس، والثاني عشر يوم السبت، وبه تبيَّن خطأ ما ذهب إليه الخوارزمي.

ثمَّ إن مدلول كلام الإمام الباقر – النصف - يدلُّ على أن وقعة الفيل الخامس عشر من محرم الحرام، وولد ﷺ بعده بخمس وخمسين ليلة، وذلك يوافق العاشر من ربيع الأول – إذا كان الشهران تامَّين -، ومع هذا يوافق يوم السبت.

فتبيَّن منه ثلاثة أمور: الأول: أن غرة محرم الحرام عام الفيل يوم الأحد لا يوم الجمعة – خلافًا للخوارزمي -. الثاني: أن المحرم وصفر كانا تامَّين في عام الفيل. الثالث: أن قول الإمام الباقر بولادته ﷺ اليوم العاشر مردُّه إلى الثاني عشر؛ لأنه هو الذي يوافق الاثنين، ويوافق التاريخ العاشر: السبت.

السبب الرابع:

ذهب كثيرٌ من أهل السير والزيج أن رسول الله ﷺ ولد في العشرين من نيسان (أبريل)، منهم: أبو عبد الله محمد بن موسى الخوارزمي الفلكي – كما نقل عنه ابن عبد البر في «الاستيعاب» (1/31) – ومحمد بن فرج الطلاعي في «أقضية رسول الله ﷺ» (ص: 134) وابن الأثير في «جامع الأصول» (12/89) وابن سيد الناس في «عيون الأثر» (1/ 34) وأبو بكر بن عبد الله بن أيبك في «كنز الدرر وجامع الغرر» (3/ 10) و العاقولي في «الرصف لما روي عن النبي ﷺ من الفعل والوصف» (1/32) والسهيلي في «الروض الأنف» (2/ 98).

وهو يوافق سنة 571هـ بالاتفاق؛ وكان التقويم الرائج قبل القرن السادس عشر الميلادي هو التقويمُ اليولياني الذي يعتمد على أن السنة تشتمل على (365.25) يومًا تمامًا.

فلما اعتُمد التقويم الغريغوري كان نظامه مؤسسًا على أن رؤوس مائة سنة لا تقبل التكبيس إلا المائة التي تنقسم على أربع، وهذا يعني أن عشرين من نيسان حسب التقويم اليولياني يوافق التاريخ الرابع والعشرين من نيسان حسب التقويم الغريغوري؛ لنقص أربعة أيام من رؤوس المائة خلال (570) سنة.. ومعنى هذا أن التاريخ الرابع والعشرين من نيسان هو التاريخ الموافق لولادة النبي ﷺ حسب التقويم الغريغوري.

وقد اتفق المتأخرون أن عشرين نيسان يوافق إما الثامن من ربيع الأول، كما ذهب إليه الخوارزمي والمفتي رشيد أحمد اللدهيانوي ومن تبعه، أو التاسع من ربيع الأول كما ذهب إليه محمود فلكي باشا، فالرابع والعشرون من نيسان – حسب التقويم الغريغوري - يوافق الثاني عشر أو الثالث عشر، ولما كان الثامن أحد الأقوال المنقولة نصًّا دون التاسع وجب الاعتماد على أن الثاني عشر من ربيع الأول الموافق للرابع والعشرين من نيسان (أبريل) هو اليوم الذي يوافق مولد النبي ﷺ.

والرابع والعشرين من نيسان يوافق يوم الاثنين بناءً على أن (1/1/1م) كان يوم السبت كما هو المنصوص لدى علماء الزيج، وليس يوم الثلاثاء؛ كما يقتضيه التقويم الغريغوري؛ لأن هذا التقويم بدأ في القرن السابع عشر، ولا يوم الأحد كما يقتضيه التقويم اليولياني؛ لأنه بدأ سنة (532) الميلادية، وكان التقويم قبله على التقويم الإسكندري، وكان عام الفيل سنة (882) من التقويم الإسكندري.

وإذا كان أول يوم من العام الميلادي يوم السبت – كما هو المعروف - فإن التاريخ المذكور (20/4/571م) يخرج (570× 365.2422+110= 208298.054) يومًا، وهي: (29756) أسبوعًا، وينتهي يوم الجمعة، وستة أيام، فاليوم الخارج هو يوم الخميس لا يوم الاثنين، وهذا يوافق ما ذهب إليه الخوارزمي ومن تبعه من المتأخرين.. أنه ثامن ربيع الأول؛ غير أنه لا يوافق يوم الاثنين، والثاني عشر من ربيع الأول يوافق العشرين من نيسان حسب التقويم اليولياني، والرابع والعشرين منه حسب التقويم الغريغوري.

ثم إن القول بالثاني عشر اعتمد عليه محمد بن إسحاق صاحب المغازي (ت: 150هـ)، وهو من تلاميذ سعيد بن ميناء الذي روى عن جابر وابن عباس رضي الله عنهما هذا القول، وبه يعرف مستدلُّ ابن إسحاق، ونقل عنه غير واحد من المحدثين، وأقره على ذلك، ولم يعقبه.. لا بالنقد ولا برواية أخرى تخالفه.. منهم: عبد الملك بن هشام (ت: 213هـ) في »السيرة النبوية« (1/146) والإمام محمد بن جرير الطبري في »تاريخ الرسل والملوك« (2/156) والحاكم في «المستدرك» (2/659) والبيهقي في »شعب الإيمان« (2/512) و«دلائل النبوة» (1/74) وابن حجر العسقلاني في «إتحاف المهرة» (19/ 417) والدكتور ضياء الأعظمي في «الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه» (8/11)، ورجَّح ابن الأثير في «الكامل في التاريخ» (1/416) قول ابن إسحاق مع ذكر باقي الأقوال.

وقد جزم به - سوى ابن إسحاق - معروف بن خرَّبوذ – وهو من صغار التابعين، ولا يعرف وفاته - وغيره من أهل العلم – كما نقله عنه ابن عساكر في »تاريخ دمشق« (3/70) - وأبو معشر نجيح بن عبد الرحمن السندي (ت: 170) – كما في »سير أعلام النبلاء« (1/150) و»تاريخ الإسلام« (1/26)-  وبه يعرف أن القول بثاني ربيع الأول مردُّه إلى الثاني عشر.

وجزم به من المتأخرين: ابن عبد ربه (ت: 328هـ) في »العقد الفريد« (5/3) وأبو حاتم ابن حبان (ت: 354هـ) في «مشاهير علماء الأمصار» (ص21) و«السيرة النبوية وأخبار الخلفاء» (1/33) وابن أبي زيد القيرواني (ت: 389هـ) – كما في «تفسير الموطأ» للقنازعي (1/ 299) - ومحمد بن فرج الطلاعي (ت:497هـ) – أحد علماء الأندلس ورواة »الموطأ« - في «أقضية رسول الله ﷺ» (ص: 134) ومحمد بن محمد العاقولي (ت: 797هـ) في «الرصف لما روي عن النبي ﷺ من الفعل والوصف» (1/32) وابن خلدون (ت: 808هـ) في  «تاريخه» (2/407) وجمع كبيرٌ من المتأخرين.

خلاصة الأبحاث الماضية:

القول بولادته في ثاني ربيع الأول مرده إلى الثاني عشر؛ لأنه روي عن قائله روايتان.

القول بولادته في ثامن ربيع الأول لم يثبت عن أحد من الصحابة؛ لا عن ابن عباس ولا عن جبير بن مطعم ﭫ؛ بل هو مبني على حساب أهل الزيج والفلك، ثم إنه - وإن استقام الحساب – يستحيل أن يقع يوم الاثنين، كما سبق تخريجه.

القول بولادته في عاشر ربيع الأول جري على الغالب من حذف الكسور؛ ويقتضي ذلك يوم السبت لا يوم الاثنين.

القول بولادته في الثاني عشر، هو ثابت عن جابر رضي الله عنه، وهو من أخصِّ شيوخ محمد الباقر، كما أن تلميذه سعيد بن ميناء من شيوخ محمد بن إسحاق صاحب المغازي، وهو المحفوظ عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهذا هو المروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما بسند فيه كلام.

والحقائق التاريخية توافق الثاني عشر من ربيع الأول، والحساب الدقيق كذلك.

ومن أجل هذا، قال الشيخ أحمد غلوش في «السيرة النبوية والدعوة في العهد المكي» (ص172): «وجمهور المؤرخين وعلماء السيرة يُجمعون على أن رسول الله ﷺ ولد يوم الاثنين ‌لاثنتي ‌عشرة ليلة خلت من شهر ‌ربيع ‌الأول عام الفيل». اهـ.

وقال المفتي محمد شفيع العثماني الديوبندي $ في «سيرة خاتم الأنبياء» (ص: 20): «القول المشهور في ولادة رسول الله ﷺ هو الثاني عشر من ربيع الأول، حتى نقل ابن البزار عليه الإجماع، وهو المختار في «الكامل» لابن الأثير، وأما ما ذهب إليه محمود باشا الفلكي المصري من أنه ولد تاسع ربيع الأول فهو قول بلا سند مخالف للجمهور، ولا يمكن الاعتماد على حساب التقويم اعتمادًا كليًّا يخالف الجمهور بسبب وجود اختلاف في المطالع كذا في المواهب اللدنية.

ويبدو للعبد الضعيف أن ولادة رسول الله ﷺ يوم الاثنين: (12/3/1من عام الفيل = 53 ق. هـ) المطابق (20/4/571م) حسب التقويم اليولياني، والمطابق: (24/4/571م) حسب التقويم الغريغوري والله أعلم.

____________

(1) وهذه الأحاديث الثابتة عن أصحاب النبي ﷺ كافية في أن رسول الله ﷺ ولد عام الفيل؛ غير أنه ذكر ابن شهاب أنه ﷺ بعث بعد عام الفيل بسبعين عامًا، وذلك يقتضي أنه ولد بعد الفيل بثلاثين عامًا.. ورد عليه إبراهيم بن المنذر شيخ البخاري، فقال: هذا وهمٌ لا يشك فيه أحد من علمائنا أن رسول الله ﷺ ولد عام الفيل، وبعث على رأس أربعين سنة من الفيل. وقيل: ولد بعد الفيل بعشر سنين. قاله ابن أبزى، ورده الذهبي، فقال: هذا منقطع. وأخرج ابن عساكر في »تاريخ دمشق«  (3/425) عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ ولد سنة ثلاث وعشرين من غزوة أصحاب الفيل. وضعفه الذهبي بمحمد بن عثمان بن أبي شيبة، ثم قال: وهذا حديث ساقط كما ترى. وروى الكلبي بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ولد رسول الله ﷺ قبل الفيل بخمس عشرة سنة. قال الذهبي: قد تقدم ما يبين كذب هذا القول عن ابن عباس بإسناد صحيح.

(2)  وقيل: ولد ﷺ في شهر رمضان، وسيأتي تأويله. وقيل: في صفر، وقيل: في ربيع الآخر، وقيل: في المحرم لخمس بقين منه، وقيل: عاشوراء.

(3) وكان من علماء الزيج والتاريخ كما في «الأعلام» (7/116)، وقد وهم ابن كثير، وهو غير الحافظ الكبير أبي بكر محمد بن موسى الخوارزمي الحنفي (ت: 403هـ)، ووهم ابن كثير، فجعلهما واحدًا.

شمس الدين الصديقي

مدرس، طالب، تلميذ، معلم
مجموع المواد : 60
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2022

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2022