رسالة شهر ربيع الأول.. رسالة تنسحب على الحياة كلها

لقد حل شھر ربیع الأول، فعھدہ قدیم، ولکن إیحائه لنفس المومن جدید، إنه یحمل بین جنباته رسالة عبقة وذکری عطرۃ یسمع دويها قلب کل مسلم، فھو ربیع النور وربیع الشھور کلھا، وذلک بما امتاز به من عطاء وإغاثة للانسانیة بمیلاد شخصیة فذۃ في التاریخ البشری کله، شخصیة أعادت الی الانسانیة کرامتھا المسلوبة، وانتشلتھا من حضیض الھوان والذلة، شخصیة لم یعھد مثلھا من قبل، فی حین کانت القوی البشریة الھدامة تعبث بالکنوز البشریة، وتغیرت بھا معاییر الإنسانیة، وسادت الأرض الفوضویة والھمجیة، وانھزمت النفس الإنسانیة أمام الشھوات والأھواء، وفقد الضمیر البشری حیویته فی صدر الإنسان، ولم یکن للحق صوت یدوی، ولا للھدی أمل یرجی، یأکل القوی الضعیف ویخذله، ویزدری الغنی الفقیر ولا یرحمه، فجاء وأبطل کل ھذہ الأباطیل، وھدم کل ھذا الظلم والجور الذی کان قد عم وطم فی البلاد، وبین الحق وقام بتنفیذہ، وقاوم فی ذلک العداوۃ التی ثارت من قبل المعارضین والمعاندین، ضرب وجرح، سب وشتم، شج رأسه، طلقت بناته، رجم بالحجارۃ، لکنه احتسب ذلک کله وصبر، فعلم الإنسان کیف یقوم أمام خالقه؟ وکیف یعبدہ ویدعوہ؟ وکیف یعاشرالأصدقاء والأقرباء؟ وکیف یعامل الجیران والأحباء؟ وکیف یلاطف خدمه وصغارہ؟ وکیف یکون يوقر أبویه وکبارہ؟ أدب الصحابة الکرام فأحسن تادیبھم، وعلمھم فأجمل تعلیمھم وتدریسھم۔
شھر ربیع الأول رمز للسعادۃ والفلاح الدائم، ومنبع الخیرات والبرکات والرحمات، حیث یحمل فی جنباته تلکم الذکریات الجمیله التی لاتزال تعنی بھا وتحفل علی مر الایام واللیال وتقادم العھود والأعصار، فإنه ذکری طیبة، لابد أن نقف عندھا قلیلا نطالع متطلباتھا وإشاراتھا، ونتفکر فی توجیھاتھا ورسالاتھا، لا ریب أنه یوجه إلی کل مومن مخلص فی إیمانه محب لنبیه صلی اللہ علیہ وسلم رسالة عظیمة ، وھی أن یتحلی بالصفات السامیة والسجایا العاطرۃ التی کانت مجموعة فی شخصیة نبینا محمد صلی اللہ علیه وسلم، فإن حیاته ھی المثل الأعلی والأسوۃ الحسنة.
وصحابته الکرام ومن بعدھم من التابعین وتبعھم لم یترکوا لنا أمرا من أمورہ ولا شأنا من شئونه إلا وذکروہ، وصفوا جسدہ الطاھر کأنک تراہ، حتی لقد وصفوہ فی قیامه، وجلوسه، ونھوضه من النوم، وھیئته فی ضحکه وابتسامه، وعبادته فی لیله ونھارہ، وکیف کان یمشی، وکیف کان یلبس، و کیف کان یتحدث إلی الناس إذا لقیھم، وما کان یحب من الألوان ومن الطیب، ووصفوا حیاته العائلیة من معاشرۃ الرجل أھله، وذکروا ما تحلت به نفسه وما تجمل به ظاھرہ من دماثة الخلق، ورجاحة العقل ، وحصافة الرأی، وکرم النفس، وعلو الھمة، ورحابۃ الصدر۔
انطلاقا من هذا كله فإن شهر ربیع الأول يلفت انتباهنا أجمعين إلى أمر مروم ،إلى نكتة مهمة، إلی أن نجدد عزمنا وحزمنا علی اتباع ھدی النبی الذی وصفه الله لنا أسوۃ حسنة فی حیاته فی جمیع شئوون الحیاۃ وأطوارھا، ولیس ھو وحدہ فحسب بل إنما ذلک شان جمیع الأنبیاء – علیھم صلوات اللہ وسلامه – فإنھم إنما یبعثھم اللہ عزوجل إلی أقوامھم وأممھم لیکونوا بسیرتھم الصالحة المستقیمة أسوۃ لھم، ومثلا أعلی لمن یأتی بعدھم، فینشأ کل نبی بین ظھرانی قومه ویترعرع فیھم، ویعیش فیھم برھة من الزمن، فیعرفون أخلاقه کل المعرفة، ویلمسون فی حیاته مخایل النبوغ والذکاء، و أمارات الصدق والأمانة، ویجربون عاداته وأعماله فی أمور دینه ودنیاہ، فیجدونه متحلیا بالخصال النبیلة والخلال العاطرۃ ما یمکنھم من اقتفاء أثرہ واتخاذہ قدوۃ وأسوۃ لھم۔
ولا نجد ھذہ الخلال التی تجدر بأن یؤتسی صاحبھا إلا فی تلکم الشخصیات العظیمة التی تحمل علی عواتقھم مسئوولیة البشریۃ جمعاء ؛ فقد مضى في سالف الأيام كثير من العظماء، دعوا الناس إلی أن یقتدوا بأخلاقھم وأعمالھم ، منهم ملوك جبابرة عاشوا فی قصورھم الشامخة بين ندمائهم وجلسائهم، وملأوا القلوب مھابة وجلالة، واستولوا على المماليك واستعبدوا الأمم،  فكم من أرض عمروها ومدينة دمروها،  فكم وضعوا شعوبا ورفعوا آخرين،  وكم سلبوا ومنحوا، وضروا ونفعوا، نعم، إن السيوف البواتر في أيدي بعض الملوك قد قذفت الرعب في قلوب المجرمين، فكفوا عن اقتراف الجرائم علانية وفي وضح النهار، ولكن سيوف الملوك عجزت عن أن تستل الرذائل من قلوب أهلها، وأن تحسم مادة الشر في نفوسهم۔ ومنھم قادۃ جیوش عاشوا بین ضباطھم وجنودھم، یرھبون الناس ، ویخیفونھم بشدۃ بأسھم ، وضخامة أجسامھم ، ورواء ھندامھم، ولکن لم یتمکنوا من تركيز خوف اللہ الجبار فی قلوبھم ، ومنھم حکماء وفلاسفة، کانوا إذا نطقوا أبانوا ، وإذا خطبوا أبدعوا ، ونثروا من درر الحکمة ما شاءت بلاغتھم ، وطلاقة ألسنتھم، وقوۃ بیانھم ، فملکوا القلوب ، وأبھروا العقول ، و فتکوا بالألباب ، فلا شک أنھم حاولوا تغییر تیار الحیاۃ البشریة ، فعرضوا علی الناس من طریف أفکارھم ومستحدث أنظارھم ما أدھش النفوس ، ولکنھم لم یقدموا للناس من سیرتھم أسوة یؤتسی بھا ، ولم یستطیعوا إضاءۃ الظلمات بقبس من أعمالھم لیتمکنوا من حل مشاکل الإنسانیۃ ومعضلاتھا. وتری بجانب ھولاء طائفۃ الشعراء ممن إذا أنشدوا أطربوا ، وإذا رتلت أناشیدھم غلبوا السامعین علی أھوائھم ، ولعبوا بالقلوب کیف شاءوا ، ولم یکن منھم إلا إثارۃ کامن العواطف ، وتنبیہ النائم من الأفکار، أو إحداث متعة  فی الأسماع ، أو ألم فی النفوس ، ولا یتوقع منھم أن یحلوا معضلات الحیاۃ الإنسانیة ، وعویصات مشاکلھا۔ وقد خلا فی الزمن الغابر کثیر من الفاتحین الذین دوخوا البلاد، واستولوا على المماليك، ودانت لھم الارض من أقصاھا إلی أقصاھا، وذللوا كل ما اعترض في سبيلهم من الصعاب، وسخروا الملوك بظبا سيوفهم،  ولكن من منهم ترك لمن أتى بعدهم أسوة يؤتسى بها في تعميم الخير؟  ومن منهم إذا اهتدوا الناس بهديه ينجون من المهالك؟  ويسلكون سبيل السعادة والهناء؟ وهذا حديث عن الطبقة العليا من بني آدم ، ممن يظن بهم أنهم مقعد الرجاء في إصلاح الحياة الإجتماعية وتوجيهها نحو الرشاد والسداد، والحق أن كل خير نرى له أثرا في بقاع وربوع الأرض فهو إنما جاء عن طريق الأنبياء وعلى أيديهم، وكل نور تألق وأشرق ولوكان ضئيلا فإن مرده إلى رسالات الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
 وقد خلق اللہ الإنسان  وھو یعرف طبیعته وسجیته وجبلته،  فھو مجبول على التأسي والاقتداء، و ھذہ  ھی الحقيقة والواقع أننا نتأسى دائماً في مختلف مراحل حياتنا؛ فالطفل يقوم بالاقتداء بالكبار باعتبارهم مثله الأعلى، ويبدأ باكتساب العادات والتقاليد والملكات من خلال ما يسمعه ويلاحظه من أقوال وحركات وانفعالات، فيندفع برغبة خفية لا يشعر بها نحو محاكاة من يعجب به في لهجة الحديث أو أسلوب الحركة والمعاملة، والتلميذ يتدرب على الصنعة بالتأسي بالأستاذ والمعلم، فنحن نستطيع التشبه بمن نعجب به بالاحتذاء به؛ بأن نؤمن مثله ونفكر على طرازه ونتكلم بسليقته ونثابر على شاكلته ونتخلق بأخلاقه. نعم، لا مراء في أن بعض المهام معقدة ومتشابكة بحيث يستغرق التأسي والاقتداء بمن يحسنونها والقيام بمثل ما قاموا به وقتاً طويلاً، إلا أنه إذا كان لدى الإنسان الذي يريد التأسي من العزيمة والإيمان ما يسند هذه الإرادة ويدعمها فإنه سيحقق ذلك إن عاجلاً أو آجلاً. 
 فنحن في علاقاتنا مع أولادنا وأبوينا وأزواجنا، وفي مأكلنا ومشربنا وعباداتنا ودعواتنا وسائر أعمالنا أحرار، نستطيع أن نتصرف كما نشاء، وبذلك قد نسمو إلى العلا وقد نهبط إلى الحضيض، ونحسن أو نسيء، ولكن علينا أن لا ننسى أن الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم لم يتركه سدى، ولم يدَعْه بدون أسوة، ھائما يسرح ويمرح في الحياة من دون هاد أمين، بل هداه بالقرآن إلى الأسوة الحسنة، كما في قوله - تعالى -: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا) (الأحزاب: 21) و( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عمران: 31)، فهاتان الآيتان وغيرهما تشير إلى أن الطريق الآمن والدرب الموصل إلى المطالب إنما هو اتخاذ القدوة الصالحة واتباع الأسوة الحسنة، وهل هناك طريق أسلم من التأسي بسيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي اتفق الصديق والعدو على أنه كان في قمة الأخلاق الحسنة. وفي شخصية الرسول - صلى الله عليه وسلم - وسيرته يجد المرء الأسوة الحسنة في حياته كلها۔
فإنہ قد بعثه اللہ سبحانه وتعالی معلما للإنسانیة کلھا ومربیا لھا، وھادیا إلی ما فیہ سعادۃ الإنسان وخیرھا وفلاحھا فی دنیاھا وعقباھا ، فکان حکیما فی أداء شئوون الحیاۃ ، متحلیا بمکارم الأخلاق و محاسن الشیم ، ومرشدا إلی الخیر والفضیلۃ والسلام، وکان مطبوعا علی حسن الخلق والفضل وعلی طلب الخیر للجمیع، والسعی لبناء مجتمع إنسانی، فکیف لا یجعله المومن الذی یحبه أسوۃ لحیاته۔ فهو إنسان أكرمه الله - سبحانه وتعالى - برسالته، وسيرته شاملة لكل النواحي الإنسانية في الإنسان، فهو الشاب الأمين قبل البعثة والتاجر الصادق، وهو الباذل لكل طاقته في تبليغ دعوة ربه، وهو الأب الرحيم، والزوج المحبوب، والقائد المحنك، والصديق المخلص والمربي المرشد، والحاكم العادل، كما أنه - صلى الله عليه وسلم - ضرب المثل الأعلى في تربية الذات من جميع النواحي سواء في عبادته أو زهده أو خلقه الكريم أو غير ذلك. والمتأمل لسيرته يجد الحل الأمثل لكل المعضلات التي تقف حائلاً دون إشعاع الروح وبلوغ صفائها ونقائها.
فھذہ ھی الرسالة الوحیدۃ التی یوجھھا إلینا ھذا الشھر المبارک حیث یدعو کل مومن إلی أن لایکتفی  باحتفالاته ومؤتمراته التی تعقد بمناسبة مولد النبی الکریم  علی صاحبه ألف ألف صلوۃ وتسلیم، بل یلزم علیه ان یجعل حیاته الکاملۃ وفق السنة النبویة، ویجعل نبیه وحبیبه صلی اللہ علیہ وسلم أسوۃ له فی حیاته الیومیة أربع وعشرین ساعة من یقظته إلی رقدته، فی عباداته و نسکه، فی معاملاته ومعاشراته، فی خلقه وسیرته، کما یجب علیه أن یتبع سننه صلی اللہ عليه وسلم من أقواله وأفعاله، ومن المأثور من أدعیة الصباح والمساء خاصۃ؛ فإن النبی صلی اللہ علیہ وسلم لم یترک حالۃ من الأحوال ولا مظھرا من المظاھر ولا مشھدا من المشاھد ولا موقفا من المواقف إلا وزودنا فیھا بالأذکار التی یطمئن بھا قلب المومن، وترتاح لها النفوس، والأوراد التی تنجلی بتردادھا وتكرارها الھموم والغموم ، فیکون کل لحظة من لحظات حیاته ربیع الأول ، فھو یعیش مرتاح البال عیشة مرضیة فی لين ورخاء، ورغدة وھناء، علی سبیل المثال، فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها إلا أجره الله في مصيبته وأخلف الله له خيرا منها"، لو عملت بھذا الحدیث عند نزول نائبة فی أھلک ومالک وبیتک ونفسک لرأيت عجبا، کیف یرتاح به قلبک؟ ویھدأ له بالک، وتطمئن به نفسک، فتتیقن بأنه سوف یخلفک اللہ الفائت، وسوف یصیبک ماھو أفضل من ذلک بکثیر، ورأيت كيف تطیب لک الحیاۃ، وتصیر ربیعا ترتاح فیھا نفسک، ویطمئن فیھا قلبک، ویسکن فیھا بالک، وهذا غيض من فيض التعاليم النبوية،فكيف بك وأنت تطبق كافة سنن حبيبك صلى الله عليه وسلم، فإنه يحول حياتك كلها ربيعا ونورا وسعادة وهناء في الدنيا قبل الآخرة، ويمنحك الدرجات العلى، ومرافقة حبيبك صلى الله عليه وسلم في أعلى غرف الفردوس والجنان الخالدة، ويجعلک يرضى بك ربك رضى لايسخط بعده أبدا، ورضوان من الله أكبر، ذلك ھو الفوز العظیم.

يوسف عبدالرحمن الخليلي


مجموع المواد : 12
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019

التعليقات

    • الله بفتح عليك

    • جزاكم الله كل خير على هذا التشجيع والتحفيز النابعين عن طيب خلالكم وكريم سجاياكم.... نسأل الله الإخلاص والقبول والقرب الأبدي مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً...
      والسلام

    • أحسنت

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019