رسالة الجمعة الأخيرة من شهر رمضان المبارك

رمضان .... ضيف يحل بساحة العالم على رأس كل سنة، يغدق علينا شأبيب رحمة الله تعالى وغفرانه، يوقظنا من سبات الغفلة الطويل، و يصرف قلوب عباد الله إلى الخيرات و الحسنات، ويأتي بكافة أنواع اليمن والسلام، والرحمات والبركات، لجميع طبقات النوع البشري , فينثرها مثل الدرر فيما بينهم، ويظل متحفا علينا طول الشهر .... وإذا أزف ترحله و أظلت علينا جمعته الأخيرة بما فيها من الفضائل، آذنة برحيل هذا الضيف الكريم ، ونشعر بأنه  سوف يسقينا كأس الفراق، يغشانا الكسل والقنوط، ونعض على أيدينا تحسرا وندما على ما فاتنا من أثمن لحظاته وأغلى ساعاته...... وما إن انسلخ هذا الشهر إلا ونعود كما كنا، كأن لم يغشنا رمضان بالأمس، وكأن رمضان لم يمنحنا ما نلتزم به طول السنة، وكأن الجمعة الأخيرة ليست لها أي رسالة للأمة الإسلامية جمعاء.

       الجمعة الأخيرة إيذان برحلة هذا الضيف الذي يمنحنا الهبات الروحانية العظيمة، لو تشبثنا بأذيالها، وقدرناها حق قدرها، و داومنا عليها وعضضنا عليها بنواجذنا لدامت هي بمنازلنا و مناطقنا، ودمنا بسببها متمتعين مستفيدين منها طوال السنة.

       إذا ما هي الرسالة التي توجهها إلينا الجمعة الأخيرة؟وماهي الوصاية التي توصينا بها؟

      فلندع الجمعة الأخيرة توصيكم وتوجه إليكم رسالتها بنفسها:

       أولا : أيها المؤمن الغالي، إذا وافيتني فعليك أن تقلق وتضطرب وتسكب دموع الندامة وعبرات الحسرة، على ما فرطت في جنب ضيف الله الكريم، و على ما قصرت في حقوقه، كالبائس الفقير الذي يستغيث ربه ويستجير، وتبكي بكاء الطفل الصغير عقب التقصير، فتستغفر الله تعالى وتبتهل إليه ابتهال المذنب الذليل، فإنه ليس شيئ أدعى لرضا الله سبحانه وتعالى من الندامة و البكاء على التقصير،  لأنك لم تقدر ساعات رمضان وعباداته وصيامه وقيامه حق قدرها، فهذا الندم سوف يتسبب لرضا الله سبحانه وتعالى عنك،  وقد قال الله تعالى: (( قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ))، وقال نبينا صلى الله عليه وسلم  فيما يرويه عن الرب تبارك وتعالى قال: (( أنا عند المنكسرة قلوبهم)).

      ثانيا : عليك أن تنتهز فرص العبادات ودعوات العتق من النيران فيما بقي من رمضان، وتحرص على كل ساعة منه كما يحرص من استيقن بموته في يوم على كل لحظة من حياته، حتى لاتضيع دقيقة ولا ثانية منها سدى وهملا دون جدوى؛ فإنك لاتدري هل تدرك رمضان المقبل أم تكون عندئذ من الذين طويت صحائفهم، وهم يتمنون الآن أن يدركوا ليلة أو ساعة أو دقيقة من رمضان فيصرفونها في طاعة الله سبحانه وتعالى؟.....

        ثالثا : عليك أن تعرف أن هناك نوعان من الصوم: صوم لا يفرض في السنة إلا في شهر رمضان، يفرض بحلوله وينتهي بانقضائه،وهو الإمساك عن المفطرات الثلاثة نهارا مع النية،  وقد قمت بأداء جميع هذه الصيام , و لكن هناك صوم آخر وهو العمدة والأصل في باب الصوم،  وذا يبتدأ ببلوغ الإنسان وينتهي بالموت، حينما يسقي الله سبحانه وتعالى عبده الصالح  شراب رؤيته، حين يقرع أسماعه هتاف (( يا أيتها النفس المطمئنة,  إرجعي إلى ربك راضية مرضية )) ويعقبه العيد  السرمدي الأبدي الذي هو جدير كل الجدارة بأن يسمى عيدا، و هنا نتسائل، ما هذا النوع من الصوم ؟ عن أي شيئ نمسك في هذا الصوم ؟ فاعلم - يارعاك الله - هذا الصوم في الواقع ليس إلا الالتزام بشريعة الله الغراء، وليس بعبارة عن الإمساك عن الأكل والشرب، إنما هو عبارة عن التجنب من كافة أنواع الذنوب من شرب الخمر وأكل مال الربوا والقمار , والكذب والخداع، نعم، إنه التباعد كل البعد عن الوقوع في عرض الأخ المسلم، وأذى المسلمين بغصب ماله عن غير حق وما إلى ذلك من شتى أنواع المعاصي والذنوب، فلو أمسك أحد في هذا الصوم عن الأكل والشرب واقترف كل المعاصي لايغنيه الإمساك عن عقاب الله تعالى كما تبين ذلك في قوله جل وعلا : (( كلوا واشربوا ولاتسرفوا ))، وإذا أفسدت هذا الصوم بارتكاب محارم الله تعالى فليس عليك أن تصوم شهرين متتابعين كما إذا فسد صوم رمضان بل انما عقاب ذلك بالعذاب الأليم  السرمدي الأبدي.

      وإذا أردت أن تفلح في هذا الصوم العمري فعليك بصحبة الصائمين الأخرين من الأتقياء والأولياء والأبرار كما أمرنا الله سبحانه وتعالى في قوله:((يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)).

    فجملة ما أوصيك - أيها المؤمن الغالي- ان تتيقن بأنه ليست هناك أي عطلة بعد رمضان لنوع من الأعمال الصالحة، بل بإمكانك التقدم والتطور بعد رمضان أيضا   في مدارج القرب من الله سبحانه وتعالى بالمثابرة والمدوامة على طاعة الله عزوجل طوال السنة.

     فهذه رسالتي المتواضعة، قد قدمتها إليك سائلة المولى عزوجل أن يجعل جميع أبناء الأمة الإسلامية من المستفيدين منها والعاملين بما فيها من الموعظة.

يوسف عبدالرحمن الخليلي


مجموع المواد : 10
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019