أسفا على الأمة التى نسيت تراثها وباعت أثاثها

إن الأمة المسلمة التى ظهرت نواتها في جزيرة العرب قبل القرون هي لم تبعث للاعتكاف على الأمور الدنيوية والاستحصال متاعها الدنية ولا لزرع الحقول والأشجار طول حياتها الموهوبة من عند الله، ولم تبعث لجمع المال والجاه من الدنيا، ولم تبعث لشدد الغارة والحرب والفساد في أرض الله، ولم تبعث لارتكاب المعاصي لله ورسوله. إذا أمعنا أنظارنا إلى أوراق التاريخ نجد قوما قد يموج فيه الكفر والضلال وتعبد الأصنام والأوثان في بيت الرحمان، وقد كانت العداوة بينهم أشد العداوة لا توجد مثلها في تاريخ البشر، والبشرية تخبط خبط عشواء تنصرف عن الفطرة السليمة التي فطرها الله، فدعت الحاجة إلى قانون سليم ودين حنيف يستهدى به الأمة ويسترشد به العوام و الخواص فبعث الله أمة في جزيرة العرب هي الأمة المحمدية.

هذه هي الأمة التي ملكت نفوس البشرية وأعرضت عن ريح اللادينة وتفكرت عن صلاح القوم وفرت عن ضلالة الجاهلية وتمسكت بالأحكام الإلاهية وتجنبت عن معاصية رب البرية. هم المسلون الخاشعون لله في العبادة والراغبون إلى دار القرار والراجعون يوم الحساب و القانتون في الصلاة والشاكرون عند الإنعام والحامدون عند الغنائم والصابرون عند المصائب. والأمة مع قلة العدد خرجت لفتح العالم وفتحت نصف الأرض في نصف القرن، وغلبت كل شئ اعترضها في الطريق وطمت على السهل والجبل ولم تكن جيوش فارس والروم ومصر وغيرها معدودة بمئات الألوف وشاكة السلاح شديد البطش وكانت الأرض تزلزل بها زلزالا ولم تكن هذه الجنود المجندة إلا حشائش في هذا التيار الجارف، ولم تعق سيره ولم تغير مجراه حتى شاعت في العالم. وعلموا أن الله بعثهم ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، و من جور الأديان إلى عدل الإسلام وأورثهم أراضي والديار والأموال واستخلهم في الأرض ومكنهم فيها.

و لقد نبه الله تعالى بأن هذه الأمة ليست نابتة نبتت في الأرض كأشجار برية أو حشائش شيطانية، بل إنها هي " أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر و تؤمنون بالله" وكذلك بعثهم للعبادة كما جاء في التنزيل " و ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" والمسلون في نفوسهم الخدمة والإيثار والأمانة والتضحية والوفاء التي يمتاز بها الإنسان من جميع المخلوقات وأن المسلم شعاره الهداية، ومهمته الدعوة، ومعياره يحسن أخلاق الجمهور، وسمى روحه بالفضائل إقباله على الآخرة ، وزهده في الدنيا، والقناعة في المعيشة، واجتنابه عن المحرمات والمعاصي، والتنافس في الخيرات، والاشتياق إلى الحسنات، ولكن اليوم غشيتهم ظلمة الجهالة، وغطتهم عماوة الضلالة وأحاطتهم العداوة والبضغاء وإن الشيطان يجري مجرى دم ابن آدم حتى تسرب في دموءهم وأجسامهم وأضلهم عن الصراط المستقيم. والمسلمون اليوم صرفوا أنظارهم عن العلوم التي كانت تراثهم وأعرضوا عن الإيمان الذي كان وسيمتهم والتفوا عن الأعمال التي بها نجاتهم وعن القوة التي كانت جنتهم في الميدان.

فأسفا على الأمة التي نسيت تراثها وباعت أثاثها وآثرت الدنية على المحمودة وسلكت مسلكا غير ما هدى إليه نبيها وتمسكت بالأحكام غير ما نطقت به شريعته وتجنبت عن القانون المنزل في القرآن والسنة، حتى أحاطتها المصائب والمشقات من كل الجوانب و أنشبت الفرق الأباطلة أظفارها المسمومة كما قال عليه السلام " يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل : أو من قلة نحن يومئذ يارسول الله ؟ قال بل أنتم يومئذ كثير، و لكن كم غثاء السيل، و لينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم ولينقذفن في قلوبكم الوهن، قال قائل يا رسول الله و ماالوهن ؟ قال حب الدنيا و كراهية الموت".

فأيها المومنون أين قوتكم التي كانت في الحروب والقتال أمام أعدائكم؟ وأين علومكم التي أورثكم الأنبياء والرسل؟ وأين ملوككم التي غلبوا على الكسرى والقيصر؟ وأين علماء كم الذين صلبوا في الدين وثبتوا أمام التيارات الباطلة مثل الجبال الراسخة؟ وأين قضاتكم الذين قاموا بالعدل بين الخلائق؟ هل تنتظرون البطل صلاح الدين الأيوبي الذي فتح بيت المقدس أم تنتظرون محمد بن القاسم الذي فتح السند أو تتوقعون محمد الفاتح الذي دخل الأندلس؟ لا كلا و ألف كلا! يا إخواني قد حان الوقت للتبديل والتغيير في أنفسنا وأبداننا. واغتنموا بما آتاكم الله الصبح الجديد كل يوم يطلع الشمس من المشرق لتحسن أعمال المسلمين أحسن ما فعله غدا.

الحل الوحيد لنيل المرام وتحصيل ما فات عنا في غفلة المنام هو التأكب على العلوم بتمامها والتمسك بالأحكام الشرعية والتفاهم بالدين والتجنب عن المحظورات والتباعد عن المنهيات. و قد سلك المسلمون اليوم ثلاثة مسلكا في تحصيل العلوم:

  • الأولى: هم الذين يشتغلون بالعلوم الدنيوية فقط.
  • والثانية: يطلبون العلوم المادية بغير التفات إلى العلوم الإسلامية.
  • والثالثة: يجمعون بينهما ويحصلونهما.

وهذا الصنف الأخير هو الصنف المحمود والطريق المقبول الذي تقتضي الأحوال اليومية، و لكونه مسلما ينبغي أن يكون زمام التعليم والتدريس بيده والرياسة والحكومة تحت قدميه. والشيء المهم الذي تخلى عنه المسلمون هو " الاتحاد" و" الأخوة والمحبة " لأخيه المسلم و إن مثل الاتحاد كعنقود العنب يعلو قيمته حال كونه عنقودا، وإذا تفرق عن العنقود وتفرد من الجماعة فقيمته رخيصة لا يبتغيه أحد. كذلك المسلم إذا تفرق من الجماعة يجبر عليه و يهان عليه. و أما الأخوة والمحبة كما يعلمنا ديننا حيث يقول جل شأنه : "إنما المؤمنون إخوة " وكذلك يقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ".

فالعودة والعودة إلى حقيقتنا وأحوالنا ما كنا عليه، ولا بد جهدها من أنفسنا حيث يقول الله سبحانه تعالى ‘‘ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغير ما بأنفسهم " وأيضا يقول في أسباب وقوع هذه المصائب المشاكل على المسلمين " ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدى الناس".

إرشاد أحمد هدوي


مجموع المواد : 1
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020