نبذة عن حياة فقيد الأمة مفتي الديار الباكستانية محمد رفيع العثماني رحمه الله

ذكر أحوال الشيخ المرحوم الموجزة وصفاته التي اتصف بها حتى يتسنى لنا الاقتداء به.

حقا، إنه لمن العسير نسيان هذا الكرب العظيم وهذه الفاجعة الجسيمة؛ التي أدهشت قلوب العلماء الربانيين، وأدمت صدور الصالحين والعارفين، وأحرقت نفوس البعيدين والقريبين؛ من العامة والخاصة والمحبين والمتوسلين المخلصين والمسترشدين، فاجعة آلمت النفوس والصدور، ونازلة ذرفت منها القلوب والعيون، فلم يكن يصدَّق نبأ وفاته؛ إذ كان روحا للعلم النبوي، وريا لطلاب العلم الشرعي، لقد كان منبعا صافيا للواردين ومنهلا عذبا للوافدين.

كان الشيخ - رحمه الله - سليم الطبع، رقيق القلب، دائم الفكر، ورعا تقيا، كثير الشفقة والرحمة، هشوشا بشوشا، وكان يعلوه الوقار والهيبة، ويزدانه حسن الانتظام والتنسيق، صاحب التقدير والتشخيص والتحفيز، منفذا للأصول والقوانين الإدارية، متبعا للسنن مهتما بأداء حقوق الناس، وكان يحب أسلافه ويحذو حذوهم كالشيخ أشرف علي التهانوي، والدكتور عبد الحي العارفي، ووالده المفتي محمد شفيع - رحمهم الله رحمة واسعة -، لذا كان لا ينساهم في دعواته وأذكاره، وكان إذا تلا القرآن في رمضان أهدى ثوابه إليهم، وكلما ذهب للعمرة اعتمر لوالده وأمه، وطاف لأجل مشايخه ولمحسنيه.

ولادته:

ولد الشيخ المرحوم بتاريخ السادس عشر ١٦ من يوليو سنة ألف وتسع مئة وست وثلاثين ١٩٣٦ الموافق ٢٣ من ربيع الثاني في منطقة سهارنپور ديوبند الهند.

دراسته الابتدائية:

قرأ القاعدة البغدادية على والده ودخل قسم الحفظ بدار العلوم ديوبند، وعندما أكمل حفظ خمسة عشر جزءا؛ هاجر إلى كراتشي مع والديه وإخوته، واستمر هناك في حفظ القرآن في "مسجد جيكب لائن" وبعد ذلك التحق "بمسجد باب الإسلام" آرام باغ، وأكمل هنالك حفظه للقرآن، وتناول هذا الشرف والنعمة العظيمة من مفتي فلسطين الحاج أمين آل الحسيني.

التحاقه بدار العلوم كراتشي:

بعد ذلك دخل دار العلوم كراتشي عام ألف تسع مائة وواحد وخمسون ١٩٥١ للميلاد، وبناءً عليه تخرج من دار العلوم في عام ١٩٦٠، وفي فترة دراسته اجتاز أيضًا امتحان - "مولوي فاضل" من جامعة البنجاب عام ١٩٧٨.

اختصاصه في الفقه: 

دخل وهو أول طالب في قسم تأسس حديثا حينئذ في شبه القارة الهندية وهو "التخصص في الفقه" تحت إشراف والده الشيخ محمد شفيع - رحمه الله -، ومع هذه الدراسة التي كان يجتازها فوضت إليه مسؤولية تدريس ثلاثة دروس في المراحل الابتدائية، وهذا من نباهته وتوقد ذكائه ومهارته.

ذوقه في الفقه:

ولا يخفى على المتتبع أن الشيخ - رحمه الله - كانت لديه المعرفة التامة والوصول إلى البحوث في جميع العلوم الإسلامية، ولكن الأمر الذي ثبت عليه واطمأن له وتشبث به بشكل أساسي هو الفقه والإفتاء، فإن هذا الذوق الفريد الذي ألم به إلماما تاما، وكان قد عرف في الفقة بالتعمق البسيط والتحكم المحيط والبصيرة الفقهية والواسعة، ورشاقة الفكر، ورجاحة الرأي، وبعد النظر. 

أساتذته ومشايخه:

تلمذ على مشايخ عدة، ومن بينهم الشخصيات المحترمة التالية الجديرة بالذكر هنا بشكل خاص:

القاري فتح محمد صاحب مهاجر المدني، والقاري رحيم بخش، والمفتي رشيد أحمد اللدهيانوي، والمفتي ولي حسن، والشيخ سبحان محمود، والشيخ أكبر علي سهارنبوري. والشيخ القاري رعايت الله، وشيخ الحديث سليم الله خان -رحمهم الله رحمة واسعة-.

لقبه بمفتي الديار: 

ونظرا إلى هذه القدرات والصلاحيات التي كادت أن تمس الآفاق؛ منحه أكثر من ٤٠٠ عالم بالإجماع لقب "مفتي أعظم باكستان" في اجتماع تمثيلي المسمى ب "المجلس العالمي للدفاع عن ختم النبوة" الذي عقد برئاسة الشيخ محمد يوسف اللدهيانوي، وهذا ثالث من تشرف بهذا اللقب.

بداية خدمات التدريس:

بعد التخرج من الدرس النظامي، تشرف بالمنصب العظيم للتدريس في جامعة دار العلوم بكراتشي، المؤسسة الدينية الكبرى في العالم الإسلامي، وكانت هذه بداية مشاركاته في التعليم العملي، وأدى هذه المسؤولية بكل حماسة وجد واجتهاد، وبذل قصارى جهوده في التعليم والتربية، وفي فترة قصيرة من سنة ١٣٧٩ إلى ١٣٩٠، بقدراته الفذة التي وهبها الله إياه؛ قام بتدريس جميع كتب العلوم والفنون، وفي عام ١٩٩١ للميلاد بدأ يركز على تدريس علوم الحديث وأصول الإفتاء.

ميزات التدريس:

كانت له ميزات خاصة تميزه عن غيره في مهنة التدريس، فكان يشرح أصعب المسائل وأدقها وأعقدها بطريقة بسيطة وأسلوب سهل رائع جذاب بحيث يفهمها كل طالب. وكان اهتمامه الخاص بحل الكتاب، وكان يتجنب الأمور والمناقشات التي لا طائل تحتها، وكان يهتم اهتماما خاصا بسلامة العبارات والمتون، وكان يوضح القضايا الفقهية القديمة والحديثة المتعلقة بنص الحديث وخلفيته، ثم يربط بينها وبين الحركات الفكرية والسياسية والاقتصادية المختلفة في سياق الوضع الحالي، وكان من ميزات تدريسه تحليل الأفكار المبتكرة بطريقة أكاديمية صلبة ومنطقية جادة، وإمتاع الطلاب بالنكات وتقديم أنشطة أكاديمية وترفيهية متنوعة من وقت لآخر بأسلوب ساحر أنيق.

في أسلوب التدريس يستحق الاقتداء به: 

كلما كان يرد اسم مؤلف ما أثناء التدريس أو اسم أحد المحدثين في الكتاب، فإنه كان يأخذ اسمه باحترام كبير، لا سيما عند ذكر اسم الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم-، فكان يتحمس أكثر في هذه الحالة، فقد كان يقرأ عبارة الصلاة "صلى الله عليه وسلم" كلها بنفسه في كل مرة، كما نصح هو الطلاب بقراءتها بالنطق الصحيح وعدم الترك والنسيان، فكان يأخذ هذا الأمر بالجدية.

 

مؤلفاته:

لقد صنف كتبا ورسائل كثيرة في مواضيع مختلفة، استفادت منها خلق عظيم منها:

  • علامات القيامة ونزول المسيح
  • التعليقات النافعة على فتح الملهم.
  • أحكام الزكوة.
  • الأحكام الفقهية.
  • مسألة التقدير.
  • المقالات الفقهية.
  • المدارس الدينية وتنفيذ الشريعة.
  • الحديث في عهد الصحابة.
  • وغيرها من الكتب النافعة في إصلاح المجتمع الإسلامي.

 

إن لله سنة في الأرض جارية لم تسمح لرسوله المصطفى وصفيه المجتبى -صلى الله عليه وسلم- العيش سرمدا، فكيف بمن كان من أمته، وفي مثل هذا المعنى يقول المتنبي:

ألا إنما كانت وفاة محمد *** دليلا على أن ليس لله غالب

ولا ريب في الموت أنه تحفة المؤمن؛ إذ يريد الله أن ينعم عبده بنعم الجنة التي أعدت لعباده الصالحين، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، قدر لكل مخلوقاته حتفه وأجله ونهايته التي ينتهي إليها، فكان كذلك وافاه اليقين -رحمه الله تعالى-، وشاء الله أن يكمل الشيخ محمد رفيع العثماني قوته في الدنيا، وتبليغ ما أعطي من علم وفقه وحكمة وبصيرة، أن يرتحل هذا العالم الرباني والعابد الزاهد إلى جوار ربه سبحانه؛ لينال من جزاءه العظيم ونواله المعد له في جنات عدن عند ذي القوة المتين، وكان قد فارق الحياة ليلة السبت ١٨ من نوفمبر سنة ٢٠٢٢ الموافق ٢٣ من ربيع الآخر ١٤٤٤ للهجرة، وأيتم العلماء والطلاب والأمة الإسلامية، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم جميع متعلقيه الصبر والسلوان.

أبو محمد نصيرالله المنصور

التدریس والتبلیغ...
أستاذ اللغة والإنشاء بمدرسة ابن عباس...
مجموع المواد : 29
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2023

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2023