المسلمون ورمضان هذا العام

أتانا رمضان والعالم تجتاحه موجة عارمة من الاضطراب والخوف والذعر والتوتّر نتيجة انتشار جائحة كورونا. أتانا رمضان وقد أوصي الناس في عامة البلاد بالتزام الحجر الصحي واللبث في البيوت. أتانا رمضان ولا يوجد في الحرمين الشريفين ذاك الزحام المعهود الذي قد عهدناه في الأعوام الماضية، سيما في شهر رمضان، حيث تشدّ الرحال إليهما والساحات مكتظّة بالطائفين والعاكفين والقائمين والركّع السجود.
أتانا رمضان والظلم مخيّم على سوريا والهند وكشمير، و... و... أسر وأفراد مشرّدون وقد أخرجوا من ديارهم وأموالهم ولا يدرون هل ستكون لهم عودة إلى ديارهم أم سوف يلقون مصارعهم في الغربة مشرّدين.
وكأني بسائل يتساءل كيف يقضي المسلمون هذا الشهر هل ينشطون فيه للعبادة والتضرع والدعاء والإنفاق في سبيل الله أم يتكاسلون ويسوّفون؟
هذا وقد مضى من الشهر أكثره ولم يبق إلا الأقل منه، ومما لا ريب فيه أن ما ذهب من الأيام الذهبية فإنها لا تعود ولكن السعيد منا من هو يغتنم ويستغل ما بقي من الأيام بل اللحظات، ويُحسن الوداع إن لم يحسن الاستقبال.
إن الله سبحانه وتعالى جعل رمضان موسما مثاليا لاقتراب عباده منه وفرصة للاتصال به،  فالسعداء هم الذي يتّخدون القربات المتعددة الموعودة بالأجور المتنوّعة المضاعفة سُلّما ومرقاة للرقيّ والتقدّم في ساحات القرب والوصول إلى الله تعالى.
إنّ كل دقيقة ولحظة من لحظات هذا الشهر المبارك هدية ربانية ممنوحة للعباد، وإن لله سبحانه نفحات ونسمات في كل يوم وليلة يتعرّض لها العباد المتقون فيجنون من الخيرات والبركات ما لا يدخل تحت العدّ والحساب.
ومن ثمّ يتنافس في ذلك المتنافسون ويربح فيه الفائزون، كما يخسر فيه الكسالى الخاسرون، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- "فإنّ الشقيّ من حرم فيه رحمةَ الله".
وجدير بنا أن نلقى نظرة عابرة إلى أحوال مشايخنا الذين كانوا نماذج حيّة للسلف الصالح لعلّنا نوفق للتأسّي بهم أو محاكاتهم والتشبّه بهم و"من تشبّه بقوم فهو منهم".
يحكي لنا العلامة المحدّث مولانا الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي -رحمه الله- صاحب "أوجز المسالك إلى موطأ الإمام مالك" نبذة من أعمال مشايخه في شهر رمضان فيقول: "شاهدتُ شيخي العلامة خليل أحمد السهانفوري -رحمه الله- صاحب "بذل المجهود في حل سنن أبي داود" وقد بلغه الكبر واعتراه الضعف كان يتلو جزءا وربعا من القرآن الكريم بعد المغرب في النوافل، وكان يصلي التراويح حين إقامته في الهند في ساعتين وخمس عشرة دقيقة، ويصلي العشاء والتروايح زمن إقامته في المدينة المنوّرة في ثلاث ساعات، ولا يستريح إلا ساعتين أو ثلاثا في الليل ثم يستيقظ ويتلو القرآن في الليل. وبعد أن تسحّر يشتغل بالتلاوة نظرا حتى صلاة الفجر. وبعد الصلاة إلى وقت الإشراق يجلس للذكر والفكر والمراقبة".
ويتحدث عن المجاهد الكبير شيخ الهند العلامة مولانا محمود حسن الديوبندي -رحمه الله-: "إنه يشتغل بالنوافل بعد التراويح إلى صلاة الصبح ويستمع القرآن من الحفّاظ المتقنين".
و"كذلك شيخ مشايخنا مولانا السيد عبد الرحيم رائي فوي -رحمه الله- يشتغل بالتلاوة ليلا ونهارا ولا يقابل أحدا إلا قليلا من أصحابه في وقت قليل، ولا يردّ على الرسائل الواردة في هذا الشهر ولا تهمه إلا خاصة نفسه".
هذا غيض من فيض، وحدّث عمّن قبلهم ولا حرج.

إذن ينبغي لنا أن نجدّد النظر في أعمالنا وشؤوننا ونحاسب أنفسنا في ضوء الكتاب والسنة وسيرة أسلافنا ومشايخنا، ونحاول التأسّي بهم ما استطعنا. 
وفيما يلي نذكر بعض ما أوصى به المشايخ، ولعلّ الاهتمام به يسبّب اللحوق بهم " وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ":
1- التوبة والاستغفار والرجوع إلى الله تعالى بالصدق والإخلاص.
2- الاتصال بالقرآن تلاوة وتدبرا وتطبيقا وتبليغا.
3- التصدق والإنفاق ومواساة الفقراء والمساكين وتفطير الصائمين. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر "أجود بالخير من الريح المرسَلة"، وقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة.
4- الدعاء والتضرع سيما بالأسحار وعند الإفطار، ولنخصص قسطا من دعواتنا اليومية لإخواننا المضطهدين والمشرّدين في البلاد الإسلامية كـ سورية واليمن وكشمير والصين و...، ونتضرع إليه ليرفع عنا وعن العباد البلاء والوبا والغلاء، ويعيد النشاط والعبادة إلى مساجدنا سيما الحرمين الشريفين.
نظرا إلى أننا في رحاب العشرة الأخيرة من الشهر المبارك، علينا أن نعزم على الاعتكاف في المساجد لأنه فرصة لتزكية النفس والاطّراح بين يدي الربّ والتزوّد بالقربات وشحن بطارية الإيمان لعل الله يشرّفنا بالحياة الروحية التي طغت عليها المادية ولا تزال تهددها العواصف الهوجاء في كل وقت وحين. فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أَحْيَا اللَّيْلَ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَر". (متفق عليه)
5- نحذّر أنفسنا والآخرين جميعا من الوقوع في مستنقع الغفلة والمعاصي وتضييع هذه الساعات واللحظات الذهبية فيما لا يعني أهل الإيمان. 
ولنعلم أنه إذا سلِم رمضان سلمت السنة بكاملها إن شاء الله، وإن مضى -ولا قدر الله- في تشتّت حال وتوزّع بال فالسنة تكون كذلك.
ولا حول ولا قوّة إلا بالله

(افتتاحية مجلة "الصحوة الإسلامية" العددين المزدوجين (١٣٩-١٣٨) الصادرة عن جامعة دار العلوم زاهدان)

شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2020