الأم في النهاية هي الأم!

      مما لا يقبل الشك والريب أن الطفولية عادة لا تذكر، والذي مر من مراحلها عادة لا يتذكرها، ثم عند ما يكبر أحدنا فيقول أمام الجميع: إنني أنا، فلا يتفكر بأنه قد مر من مراحل الطفولية والتي لا يذكرها سوى الأبوين، وهما بمنزلة المرأة تعكس على صاحبها عسك صورته، وكل تصرف وعمل قام به أحد في طفولته فإنه يحفظه الأم والأب، وبما أن الولد عادة يبقى أطول مدة مع الأم في البيت، فلذا هي أكثر حفظا وتذكارا...

 

       وأنا أيضا من أولئك الذين أمضوا طفوليتهم في بيوتهم، ولم يذكروا شيئا من ماضيهم، فكلما أذكر شيئا في البيت مباشرة أجد من يواجهني والتي هي أحب إلي من الجميع بعد الله ـ سبحانه وتعالى ـ ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هي أمي الحبيبة، والتي أقول لها دوما أمام الجميع: إنها هي ولية في زمننا نحن، فأسمع من فمها ما يتعلق بطفولتي، وأنا كم أتلطف بكلامها، فوالله في نفس الوقت أدعو الله ـ سبحانه وتعالى ـ أن يطيل ظلها علي وعلى إخوتي وأخواتي، وليست هي فقط، بل أدعو لأبي أيضا نفس الدعاء، وأنا قصدا أمازحها حتى تضحك وتبتسم وتتذكر طفولتي، فما إن أقول كلمة: بأنني لم أكن شرسا في صغري تفتح صفحات صغري، حيث إنها تقول: كنت تفعل كذا وكذا... إضافة إلى ذلك أن هذا النقاش يستمر إلى يومنا هذا، وفي كل مرة عند ما أذهب إلى البيت، وأمضي معظم أوقاتي معها في الحديث عن الماضي...

 

       قبل أربعة أيام الخامس من سبتمبر عام ألفين وتسعة عشرة لما اتصلت بها، لأتفقد أحوالها، وأحوال البيت، فهي أبشرتني بذهاب ابني الصغير إلى المدرسة، وفي إرساله لها أكبر دور من أم الولد وأبيه، وهي تعتقد أن ابني هو ابنها، وهذا مما لا شك فيه، ثم أخبرتني أنه ذهب أول يوم، لكن في اليوم الثاني ما كان يرضى بالذهاب، فبدأ بالبكاء، وذهب إلى أمه، أعني زوجتي، لكن أم قالت له: لا بد أن تذهب إلى المدرسة، وإلا أنا أطلب من يحملك على ظهره، ويذهب بك إلى المدرسة، فلم يجد له بدا سوى الذهاب، فذهب، فقلت لها: يا أمي، دعيه إن لم يرض بالذهاب إلى المدرسة، فمباشرة زجرتني وكأني ولد صغير، قائلة: اسكت، لا دخل لك ولا لزوجتك في ابنك. هذه مسئولتي، فأنا الذي أتولاها، فضحكت وقلت في نفسي: إنها سعادة لي بأن أمي التي لم تقصر أي تقصير في تعليمي وتربيتي، الآن هي تربي ابني الصغير... ثم شكرت الله ـ عز وجل ـ على أنه  منحني أبوين الصالحين، واللذان بالنسبة لي أهم عنصر في حياتي، أسأل الله ـ سبحانه وتعالى ـ أن طيل حياتهما بخير وعافية، وبصحة كاملة...

أ. د. خليل أحمد صالح


مجموع المواد : 270
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2019