العلامة المفتي عبد السَّلام الشَّاتْغَامِي: صورة من عصر السَّلَف في عصر الخَلَف

سيرة العلامة المفتي عبد السَّلام الشَّاتغامي، المفتي العام لجامعة العلوم الإسلامية بكراتشي، ورئيس جامعة دار العلوم-هاتهازاري

حدثتْ مشكلةٌ علميَّة في جامعة العلوم الإسلاميَّة بمدينة كراتشي حول مقرَّر دراسي، وتبحث إدارةُ الجامعة عن حلٍّ عمليٍّ لهذه المشكلة، وتتمثَّل المشكلة في انخفاض درجات الطلاب، حتى الأذكياء منهم، في مقرَّر الفقه الإسلامي (وكان الكتاب المقرَّر كنزَ الدقائق للإمام حافظ الدين النَّسَفي رحمه الله تعالى) في الاخبتار المركزي، الذي تُشرِف عليه منظمةُ "وفاق المدارس العربية-باكستان".

جلس رئيس الجامعة العلامة المحدِّث محمد يوسف البنوري مع أعضاء هيئة التدريس للتباحث حول هذا الموضوع، وبعد تشاورٍ وحوارٍ وأخذٍ وردٍّ قرَّر أن يوكِّل تدريس هذا المقرَّر إلى أستاذ شابّ، عيِّنَ عضوًا لهيئة التدريس حديثًا؛ لأنه يرى أن هذا الشابَّ يمكنه النفاذ إلى أفهام الطلبة بحول الله تعالى وتوفيقه!

وحين سمع الأستاذ الشابُّ أنه كلِّفَ بمُهِمَّة تدريس مقرَّر كنز الدقائق صُعِقَ؛ لأن الذين سبقوه في تدريسه كانوا أساتذة كبارًا أولي مهارة علمية عالية، ومع ذلك كانت النتيجة غير سارَّة للجميع.. فماذا تكون حاله مع هذا المقرَّر يا تُرى وهو الذي لا يملك في جُعبته خبراتٍ تعليميّة سابقة! وماذا تكون النتيجة النهائية لهذا الاختبار الصعب الذي مُني به!

ومِمَّا زاد الطينُ بِلَّةً والأمرُ صعوبةً أنه لا يمكنه رفضُ هذا القرار؛ لأن رئيس الجامعة أستاذُه الكبير الذي لا يمكن أن يرفض له طلبًا، بله أمرًا إداريًا.. فلم يكن أمامه إلا الخضوع لواقع الأمر..

وهنا استقبل الشيخ الشابُّ قضاء الله تعالى بالرضا، وذهب إلى المسجد يستنزل الرحمات من الله تعالى، فيبكي ويبكي؛ لأنه هو الملجأ الوحيد له في مثل هذه النوائب؛ فطَلَبَ من الله تعالى التوفيق والسداد والهداية والرشاد، ثم عاد إلى صدور الكتُب وصفحاتها الصفراء المألوفة، وبدأ يقرأ ويقرأ، وينقِّح ويحقِّق، ويدوِّن ويغربل، ويشاور ويسأل، حتى تمكَّن من رصْد العقبات التي تحول دون الطلاب وفهمهم لهذا المقرَّر الدراسي، ثم توكَّل على الله تعالى، وأبحرَ في عُباب المقرَّر، وبدأ يدرِّسه بطريقة تكون قريبة إلى فهوم الطلاب، وطبائعهم..

مضتِ الأيامُ بسرعة، ودخلتِ الأسابيع والشهور في بطن الماضي دون أن يشعر الطلاب بها، حتى اكتشفوا أنفسهم على مشارف الاختبار المركزي تحت إشراف منظمة "وفاق المدراس الإسلامية-باكستان"، وإذا بهم لم يُفاجَؤوا به، بل في شوقٍ إليه، ورغبةٍ إلى لقياه؛ حتى يُثبتوا جدارة أستاذهم وأهليَّتهم في هذا الاختبار الذي نسَفَ بالكثيرين فيما سبق من الأعوام.

وجاء اليوم الموعود، ودخل الطلاب غمار الاختبار بثقة تامَّة بالله تعالى ثم بما قدَّمه لهم أستاذُهم طِوال هذا العام الأكاديمي، وخرجوا منه منتظرين وثيقة الشَّرَف.. شرف الأهليَّة لأستاذهم، وشرف الجدارة بالنسبة إليهم..

ذهبتِ الأيام، ومضتِ الأوقات، وظهرتْ نتائج الاختبار المركزي، وإذا بالطلاب يحصدون درجاتٍ عالية في مقرَّر "كنز الدقائق"، على عكس نتائج السنوات السابقة.. فعَلَا البِشرُ في وجوه الطلاب، وبَدَتِ البشاشة على وجه الأستاذ الشابّ، ولاحتِ الفرحة على وجه رئيس الجامعة الذي وثِق في تلميذه الشابّ الذي عيَّنه بنفسه أستاذًا في مطلع هذا العام، فكان نجاح الأستاذ –بفضل الله تعالى- يُعدُّ تزكية لقرار تعيينه أستاذًا في الجامعة، وأنه أهلٌ لذلك، ولله تعالى الحمدُ!

وهكذا وفَّق الله تعالى هذا الأستاذ الشابّ في بداية أيام تدريسه لتثبيت ثقة شيخِه فيه، وإثباتِ صواب القرار الذي اتخذه رئيس الجامعة في بداية العام الحالي، حين أسنَد إليه هذا المقرَّر الذي عصَف بالكثير من مهَرَة الأساتذة، وحُذَّاق المدرسين!! فمن هذا الأستاذ الشابُّ يا تُرى؟ وما سيرته ومسيرته؟ وما خدماته وأعماله في قابل أيامه؟

هو العلامة المفتي عبد السلام بن شيخ خليل الرحمن بن شيخ عبد الخالق بن رَوشَن علي زَميدارْ، وُلد في أسرة متدينة عام 1361هـ/1941م في قرية "نَلْدِيا" التابعة لمدينة شيتاغونغ، بنغلاديش. حصل على العلوم الأوليَّة في كلٍ من المدرسة العزيزيَّة القاسميَّة بقريته، والمدرسة الحُسينيَّة إحياء العلوم بِبُوَالِيَا، ومدرسة عزيز العلوم بِبَابونَغَرْ، ثم التحق بالجامعة العربية الإسلامية-جِيري، وتخرَّج فيها بتفوق وامتياز عام 1387هـ/1967م، ثم حمل عصا الترحال إلى جامعة العلوم الإسلاميَّة بمدينة كراتشي في باكستان الغربيَّة (آنذاك وباكستان الحالية)، وأعاد دراسة مرحلة التكميل مرة أخرى للمشاركة في دروس صحيح البخاري وسُنن الترمذي للعلامة المحدث محمد يوسف البنوري رحمه الله تعالى، وتخرَّج في جامعة العلوم الإسلامية مرة أخرى، وحصل على المركز الأول على مستوى باكستان في الاختبار المركزي تحت إشراف منظمة "وفاق المدارس العربية-باكستان".

وفي هذه المدة، وبالتزامن مع الدراسة المنتظَمة، أنهى الطالب عبد السلام من قراءة كثير من الكتُب المطوَّلة في شرح الأحاديث النبوية الشريفة، بإيعازٍ من شيخه الإمام البنوري؛ كفتح الباري شرح صحيح البخاري للإمام الحافظ أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني، وعُمدة القاري شرح صحيح البخاري للإمام بدر الدين محمود بن أحمد العيني، وبذل المجهود في حلِّ سُنن أبي داود للمحدث الكبير خليل أحمد السَّهارَنْفوري، وفتح الملهِم بشرح صحيح الإمام مسلم للعلامة شبِّير أحمد العثماني، ومعارف السُّنَن شرح سُنَن الترمذي للعلامة المحدث محمد يوسف البنوري!! ثم التحق بقسم علوم الحديث بالجامعة، وتحوَّل منه إلى قسم الفقه والإفتاء بعد أن فُتِح لأول مرة بالجامعة، فكان له الشرف في الالتحاق بالدفعة الأولى من طلبة هذا القسم، وتخرَّج بامتياز كعادته الجارية طِوال حياته الدراسيَّة، وكانت رسالته بعنوان: "بيع الحقوق التجارية التقليديَّة: دراسة علميّة من المنظور الففهي"، وقد اقترح أحد أعضاء اللجنة على أن يُمنح الطالب درجة "فوق الامتياز!"، ويقال إنه قرأ في هذه الفترة (فترة التخصص في الفقه الإسلامي لمدة سنتين) قرابة 40 ألف صفحة في القضايا المتعلقة بالفقه وأصوله والفتوى والإفتاء وغيرها!

بعد أن أنهى الشيخ الشاتغامي دراسته الأكاديميَّة المنتظمة عيِّن أستاذًا بجامعة العلوم الإسلاميَّة التي تخرَّج فيها، وقد قصصتُ لك قصته فيما مضى، وتدرَّج في مناصبها حتى رُقِّي إلى منصب المفتي العام بعد وفاة العلامة المفتي ولي حسن التونكي، وبهذا ارتبط اسمه بالإفتاء وتعلَّق شخُصه بالفتوى؛ تلك الرابطة التي لم يقطعها إلا الموت، وقد أدَّى الشيخ في هذا المجال خدمات علمية تنوءُ بالعُصبة أولي العزم، حيث وصل عددُ الفتاوى التي حرَّرها في حياته إلى قرابة ثلاث مائة ألف (300,000) فتوى (بحسب بعض المصادر)!! وقد جُمع عددٌ منها في مجموعة باسم "جواهر الفتاوى" في خمس مجلدات. كما قام الشيخ بتأليف عددٍ من الكتب العلمية الرصينة باللغة الأرديَّة، وقد نالت هذه المؤلفاتُ القبول والرواج في الأوساط العلمية في بنغلاديش وباكستان والهند وجنوب أفريقيا وغيرها، منها: زراعة الأعضاء البشريَّة وأحكامها الشرعيَّة، ولغة القرآن الكريم، وأصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ومقالات الشَّاتغامي، وأحكام التوحيد والرسالة، ومشكلات جائحة كورونا وحلولها الشرعيَّة، والنظام التقليدي للبنوك الإسلاميّة من المنظور الشرعي. وقد تُرجمَ عددٌ من مؤلفاته إلى اللغة البنغالية.

وبعد مدة من التدريس ورئاسة أقسام عديدة بجامعة العلوم الإسلامية –دامتْ تلك المدة ثلاثة عقود من الزمن 28 عامًا- انتقل الشيخ الشاتغامي إلى مسقط رأسه بنغلاديش عام 2001م، وعُيِّنَ أستاذًا للحديث النبوي الشريف والفقه الإسلامي بجامعة دار العلوم بهاتهازاري، كبرى الجامعات الإسلامية في شبه القارة الهندية، وترقَّى في مناصبها العلمية والإداريّة حتى عيِّن رئيسًا للجامعة قبل وفاته –أو بعدها- بلحظات!!! فإنا لله وإنا إليه راجعون.

نعم، هكذا كان قضاء الله تعالى وقدره بشيخنا المفتي عبد السلام الشاتغامي، حيث نُقل الشيخ إلى مستشفى مدينة هاتهازاري العام صباح الأربعاء، 20 محرم 1443هـ الموافق 9 سبتمبر2021، وهناك أعلن الأطباء رحيله عن هذه الدنيا الفانية قبل وصوله إلى المستشفى؛ فكان ذلك صدمة لم ينتظرها المحبُّون.. فإنا لله وإنا إليه راجعون.

كان العلامة الشاتغامي إنسانًا متّزنًا هادئًا متواضعًا ليِّنًا ودودًا، دمِث الخلُق، نظيف الملبس، ناعم الملمس، جاذب الهِندام، كثير الحب للسلف الصالح، شديد التعلُّق بشيوخه، كريم النفس، مقتصِد الكلام، سَمْحَ الطبع، لطيف العِشرة، عظيم القلب. ولكنه مع ذلك قويَّ العزيمة، حُرَّ الطبيعة، شديد الغيرة، صلْب الإرادة فيما يعتقده صوابًا، ويراه صحيحًا؛ فكان لا يداهن على حساب عقائده، ولا يجامل على حساب أفكاره، بل كان صريحًا واضحًا إلى حد كبير، دون اللجوء إلى الصراع والخصام والعِراك والشِّجار والفجور في الخصومة، بل كان يلجأ حين يحمي الوطيس إلى قلمه السيّال المتدفِّق للفصل في القضايا المختلف فيها.. وكل ذلك جعله محبوبًا إلى مصاحبيه ومشاهديه وسامعيه..

وقد فقدتِ الأمةُ الإسلامية عامة وطلبة العلوم الإسلامية خاصة بوفاته أحدَ علمائها العاملين، وأبنائها البارّين، ومفاتيها المحقِّقين، ومؤلِّفيها البارزين ومجاهديها اليقِظين، الذين لم يخذلوها يومًا، ولم يبيعوا ذِممها ساعة، ولم يستعملوا علومهم ومعارفهم لجمع الدنيا وحُطامها.. نحسبه كذلك، ولا نزكِّيه على الله تعالى..

رحل العلامة الشاتغامي عن هذه الدنيا في وقتٍ كانت الأمة الإسلامية في بنغلاديش بأمسّ الحاجة إلى تجاربه وخبراته، وكان الطلبة والباحثون في شديد الاحتياج إلى علومه ومعارفه،  وقد مضى إلى ربِّه الكريم تاركًا وراءه آلافًا مؤلفة من تلاميذه ومحبِّيه ومستفتيه ومستفيديه باكين على وفاته وشاكين من رحيله، غير أنهم لا يقولون إلا ما يرضي ربَّهم؛ فلله تعالى ما أعطى، وله ما أخذ، وكل شيء عنده بمقدار..

جزى الله تعالى شيخنا المفتي عبد السلام الشاتغامي عن الأمة خيرًا، وأكرمَ وِفادته إليه، ورفع مقامه في الفردوس الأعلى من جِنان الخُلد، وألهمنا –لا سيما أهله وذووه- الصبر والسلوان، وألحقَنا به في مستقرّ رحمته، ودار كرامته.

حسين محمد نعيم الحق

مساعد باحث بمركز ابن خلدون، جامعة قطر
مجموع المواد : 16
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2022

التعليقات

يجب أن تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط

سجل حسابا جديدا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟

سجل دخولك الآن
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر.
الحقوق في الموقع محفوظة حسب رخصة المشاع الابداعي بهذه الكيفية CC-BY-NC
شبكة المدارس الإسلامية 2010 - 2022